الشرق السوري | المنظومة الاجتماعية في ظل نظام الأسد - الشرق السوري

المنظومة الاجتماعية في ظل نظام الأسد

img

عمل نظام الأسد خلال 50 عاما من حكمه هلى السيطرة على المنظومة الإجتماعية والتي رأى في السيطرة عليها عامل كبير في تثبيت حكمه , واختلف تعامل النظام مع المنظومة الإجتماعية حسب البيئة التي أنتجت تلك المنظومة وحسب طريقة تلك المنظومة في قيادة المجتمع او التأثير فيه , ففي المدن الكبرى مثل دمشق وحلب والتي كانت تحكم منظومتها الإجتماعية عائلات ثرية صناعية وتجارية وعلاقات إجتماعية تقوم على تبادل المصالح الاقتصادية ، كذلك سيطرة طبقة الصناعيين والتجار على الحياة السياسية  ، لكن بذات الوقت كانت تقدم خدمات إجتماعية واقتصادية للفئات الأخرى ضمن إطار العمل .

حارب نظام الأسد تلك العائلات التي لم تقبل الخضوع لسلطته بشكل مباشر وبالتالي استبدال دورها من مشارك في القرار الاقتصادي والسياسي إلى تابع لسلطة مطلقة يتحكم بها شخص واحد يمارس سلطة استبدادية على من حوله الذين كل ماعليهم أن يقبلوا مايصدر عنه من اوامر ، بسبب هذا الرفض عمل نظام الأسد على التضييق على تلك العائلات ومن ثم إصدتر قوانين وتشريعات تحد من نفوذها وبالتالي تهجيرها من مدنها والاستيلاء على ممتلكاتها ، وهو ما استطاع تحقيقه إضافة إلى دعم عائلات أخرى مغمورة أو محدثة نعمة وبالتالي ضمان ولائها ودفاعها عنه فيما لو إقتضى الأمر وهو ماظهر جليا في الثورة السورية عندما أقدمت تلك العوائل على تشكيل مليشيات خاصة بها تدافع عن نظام الأسد فيما هي تدافع عن مصالحها المرتبطة عضويا مع النظام والتي ترى في إنهيار النظام إنهيار لمصالحها الإقتصادية وامتيازاتها التي منحها لها النظام ، تدجين هذه الفئات جعل من تلك المدن مشلولة بسبب سيطرة تلك الطبقة وبالتالي السيطرة على الفئات الأدنى التي تتبع لها والتي دأبت خلال عشرات السنين على نشر فكرة الإبتعاد عن السياسة والإلتزام فقط بالعمل الذي يجلب لقمة العيش فانقسم المجتمع إلى طبقة ثرية فاحشة الثراء لكنها تابعة بكليتها لنظام الأسد وطبقة مستكينة تابعة لتلك الطبقة همها لقمة العيش وتخاف من الأقتراب من المحظور وهو السياسة والدولة لذلك كانت مشاركتها بالحياة العامة السياسية ضعيفة جدا ومقتصرة على بعض المنتفعين أيضا ، كذلك اعتمد على طبقة من رجال الدين الموالين والذين مهمتهم تحويل كل مايجري وتأويله لمصلحة النظام وهم طبقة منتفهة أيضا ظهرت بعد عزل وإبعاد وتغيب رجال الدين الذين لم يقبلوا الإنضواء تحت جناح السلطة ، طبعا مع انعدام الطبقة المتوسطة في هذه المدن سيطر التجار وأصحاب رؤوس الأموال المحليين ومن استقدمهم النظام من بيئته وحاضنته إلى تلك المدن بمؤازرة شيوخ الدين ، لكن ذلك لم يمنع من ظهور نماذج عارضت النظام ودفعت كثيرا من حريتها وحياتها ثمنا لذلك لكن اضمحلال الحياة السياسية والعمل السياسي المعارض عمل على جعل تلك المبادرات فردية لاترقى لمستوى إحداث التغيير مع انها تطورت في مرحلة لاحقة مع الإنفتاح الذي أحدثته التكنلوجيا وزاد عدد ممارسي هذا التيار لكنه لم يكن قادرا على إحداث التغيير الإجتماعي المطلوب ، كذلك عمل نظام الأسد علىحشد جميع فئات المجتمع السوري ضمن منظمات أطلق عليها إسم شعبية فيما هي بالواقع عبارة عن دوائر أمنية مصغرة تعمل على فرز أفراد المجتمع ومراقبتهم وبالتالي تسهيل السيطرة عليهم ، كما عمل على تربية مجتمع كامل ضمن تلك المنظمات ، فالفرد السوري كان يتنقل ضمن بوتقة تلك المنظمات منذ بلوغه سن السادسة عندما يدخل منظمة طلائع البعث حتى وفاته وهو ضمن أحد المنظمات ضمن تخصصه الذي تم أيضا بتوجيه احدها كشبيبة الثورة التي تمنح ميزات إضافية لمنتسبيها  تساعدهم في تحديد مستقبلهم ، كان لحزب البعث دور توجيهي فأعضاؤه لم يمارسوا دورا سياسيا كما هو واضح بل كانورهم يقتصر على تأييد النظام والتبرير له وتخريج عناصر وقيادات جديدة تتسابق في إظهار ولائها للنظام .

كما تعامل نظام الأسد مع دمشق وحلب تعامل مع مدن أخرى لكنه استفاد من ميزاتها الإجتماعية فقد عمل على تحييد مدن تمتاز بصبغة دينية مثل حماة عندما عاقبها بسبب تلك الصبغة الإجتماعية وكان عقابها بذات طريقة منظومتها الإجتماعية فعوقبت باستهداف تيار إسلامي رغم وجوده تاريخيا في سوريا إلا أن نظام الأسد اختار توقيتا مناسبا له ليخضع تلك المنطقة وبالنالي يقضي على أحد اوجه المنظومة الاجتماعية في مناطق عدة.

بالنسبة للأقليات المتنوعة والموجودة في سوريا فقد قدم نظام الأسد وبسبب جذوره الإجتماعية العائدة لأقلية إثنية نفسه كحامي لتلك الأقليات ، كما عمل على إيجاد طبقة من رجال الدين وبعض العوائل في تلك الأقليات وربطها به بشكل مباشر كما فعل في المدن الأخرى مثل السويداء وريف حماة  وبالتالي ضمان ولائها والسيطرة على تلك المجتمعات وتقييدها في مؤسسات اجتماعية ودينية ، كذلك عمل على نشر الخوف لدى تلك الاقليات من سيطرة الأكثرية المسلمة (السنية) والتي سوف تهدد مصالح تلك الأقليات ووجودها وبالتالي تضمن حيادها مثل مسيحيي المنطقة او ولاءها المطلق مثل الطائفة التي ينتمي لها رأس النظام حيث استطاع ضمان تأييد تلك الطائفة رغم أنه لم يعامل تلك الطائفة بذات المستوى من المعاملة مما اوجد فوارق طبقية داخلها سببها القرب او البعد الإجتماعي من عائلة الأسد إلا أنها وقفت جميعها في خندق الدفاع عنه مع إنطلاق الثورة السورية تحت ذريعة الدفاع عن مصالحها ووجودها .

الطبيعة العشائرية للمنطقة الشرقية والتي تعتمد في منظومتها الإجتماعية  على مفاهيم العشيرة الاخلاقية والإجتماعية حيث سلطة العشيرة توازي سلطة الدولة ، ويعتبر بيت المشيخة في العشيرة هو صمام امان لها ضمن المفهوم الاجتماعي العام ، كما كان لقوانين العشيرة مفعول السلطة القائمة وقوتها التي تطبق بقوة العرف العشائري والولاء للعشيرة ، العشيرة بمفهومها الإجتماعي كانت قبل نظام الأسد تساهم بشكل كبير في الحياة الإجتماعية وأيضا السياسية من خلال الوجهاء او بيوت المشيخة وكان لهؤلاء حضورهم السياسي والإجتماعي في المجتمع السوري لكن نظام الاسد ومنذ قدومه حاول تهميش دور العشيرة في الحياة الإجتماعية فكان اسهل الطرق التي اتبعها بالإضافة لحشد ابناء العشيرة ضمن تلك المنظمات والمؤسسات التي عمل النظام على إنشائها ، فقد.عمل على إيجاد صراع ما داخل بيت المشيخة في العشيرة هذا الصراع يعتمد على المصالح الشخصية وعلى تهميش الشخصيات التي من الممكن ان تسبب مقاومة ما لتوجهات النظام او رفض لمشاريعه الإجتماعية والسياسية وبذلك عمل شق بيوت المشيخة وضمان ولاءات بعض افرادها من خلال دعمهم اقتصاديا وسياسيا وتقديم وعود لهم والعمل على تقزيم دور الشخصيات التي قد تكون عائق في طريق سيطرته ، كما حصر الصراع في تلك البيوت على تلك الامتيازات حيث تحول الصراع على كرسي لمجلس الشعب إلى صراع عدائي مع تشعب تلك البيوت وبالتالي ظهور منافسين أكثر على مشيخة العشائر وطامعين بها ، كما حاول النظام دعم شخصيات مغمورة لتتنطع لهذا الدور من خلال دعمها أمنيا وسياسيا ليضمن ايضا ولائها ، ظهر هذا الانقسام جليا بعد إنطلاق الثورة السورية حيث انقسم بيت المشيخة في القبيلة السورية إلى مؤيدين للنظام ومعارضين له وفئة رمادية تقف مع القوى المسيطرة على الأرض ضمانا لمصالحها ، كذلك ظهرت فئة انتهازية في كلا الطرفين ففي الطرف المحشوب على المعارضة ظهرت فئات وأشخاص يبحثون عن السلطة والوجاهة ويقدمون انفسهم كواجهة للعشيرة او القبيلة فيما لم يكن لهم هذا الدور قبل ذلك بل بعضهم كان مغمور وغير معروف اجتماعيا ولايملك مؤهلات تجعل منه ممثلا لتلك الفئة الإجتماعية ، بالمقابل هناك شخصيات مؤيدة للنظام وايضا تعاملت بانتهازية مع منظومتها الاجتماعية التي تنتمي لها حين قدمت نفسها كوسيط مع النظام من اجل العفو عن أفراد تلك المنظومة او إعادتهم لمنازلهم وتقديم بعض الخدمات لهم وهم كذلك لايملكون خلفية إجتماعية تؤهلهم للقيام بهذا الدور سوى تبعيتهم وموالاتهم لنظام الأسد وقدرتهظ على تقديم التنازلات له .

عمليا استطاع نظام الاسد اللعب على وتر المنظومة الاجتماعية والتحكم بها لفترة طويلة من الزمن لذلك اعتبر الثورة السورية إنفلات وتمردا على هذه السيطرة وبالتالي حاول الاعتماد على مابناه سابقا من تحالفات اجتماعية ونجح في مناطق كثيرة مثل الكثير من تجار حلب ودمشق وشيوخ الدين في السويداء وسلمية وحماة وشيوخ العشائر في المنطقة الشرقية ، لكن هذا النجاح كان متفاوتا وقد بدى ذلك في الأشهر الأولى عندما عقد عدة اجتماعات لفعاليات اجتماعية ودينية في محاولة لإظهار الدعم الشعبي له في مواجهة الثورة السورية على نظامه بكل فئاته السياسية والاقتصادية والإجتماعية المنتفعة.

حتى اللحظة هناك محاولات للبناء على تلك المنظومة الاجتماعية التي أنشأها نظام الأسد ، كمحاولة روسيا الاعتماد على تلك الواجهة في مؤتمر سوتشي حين اعتمد على وجوه اجتماعية وقبلية وعشائرية وبعض المتنفذين والشخصيات السياسية المصنعة محليا في دوائر نظام الأسد او المستفيدة من بقاءه كذلك اعتمدت على بعض الشخصيات التي ترى في وجودها مكسب اجتماعي وسياسي لها وأن عدم حضورها وغيابها سيتسبب بابتعادها عن الواجهة بالرغم كن حصور بعض الشخصيات التي كانت تبحث ربما عن ضوء في آخر النفق لكنها فشلت بسبب وجود.مثل هؤلاء ….
الأمريكان وقسد وتركيا ول الخليج أيضا اعتمدت على مفهوم الواجهة الاجتماعية لكن هذه المحاولات اغلبها باءت بالفشل بسبب عدم قدرة هؤلاء على التأثير على الشارع خاصة الثوري والذي أدرك بعد كل عذا الوقت أن البعد الإجتماعي خلال 50 سنة مضت كان من صناعة نظام الأسد وأنه نجح في توجيهه وقيادته ، لذلك فالاعتماد فقط على تلك الواجهة الإجتماعية دون إشراك القوى المؤثرة والمدركة لحقيقة الصراع على الأرض هو خطأ تكرر ارتكابه من القوى الإقليمية والدولية .

بالمحصلة نجح نظام الأسد في قراءة المشهد الإجتماعي على مدى عقود من الزمن وعمل على قيادته وتوجيهه لكنه فشل في إدراك ان الثورة جاءت بنظرة تغيير شاملة لجميع تلك المفاهيم خاصة المغلوطة منها والعمل على تقويمها بعد انكشاف الواجهة الاجتماعية التي كانت تغطي تلك المنظومة ، والتي كان لها دور كبير في تثبيت وجود نظام الاسد وحمايته حتى اللحظة والتي اوكلت إليها عملية المصالحات في المدن والقرى والأحياء وبالتالي قدمت خدمات مجانية لنظام الأسد ,لذلك يجب ان تكون فكرة تجديد المنظومة الأجتماعية السورية على أسس جديدة تتوافق مع المتغيرات الحاصلة هي احد اهم اهداف المرحلة المقبلة والتي من خلالها يمكن الانتقال إلى مجتمع سوري حر ومتماسك .

فراس علاوي

مواضيع متعلقة

اترك رداً