ربيع إيران والعلاقات الامريكية الايرانية

img

يرى كثيرون أن الولايات المتحدة دولةٌ تقتات على الحروب. الحرب الأهلية الأمريكية مروراً بحربين عالميتين، حروب باردة وأخرى ساخنة في مختلف القارّات وأخيراً حرب نجوم مع الروس . كلها أوصلت الامريكان إلى قناعة  تقول:  القوة العسكرية لا تحقق الهدف دائماً .

الحرب بالوكالة مصطلح استخدمته الولايات المتحدة في مناطق شتى مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لفترة ليست قصيرة. حروب تدار عن بعد ويتم التحكم بها من واشنطن. إلى أن انتهت هذه الفترة بالتدخل الصريح في العراق حيث تلقى الأمريكان هزيمة مذلّة ذكرت العالم أجمع بهزيمتهم في فيتنام.

إيران هي البلد الوحيد في المنطقة التي لم تمارس معه أمريكا سياستها المعهودة , فقد كان الشاه حليف أمريكا بالمنطقة وشرطيها في الخليج والمدافع عن مصالحها كما صوره مراقبوا تلك الحقبة.

ما سمي “الثورة الاسلامية في إيران”. هذه الخطوة دفعت بالعلاقات الامريكية الإيرانية نحو التوتر ليصل الأمر إلى إعتداء صريح على المصالح الأمريكية , تمثل في أحداث السفارة الأمريكية في طهران.

رغم البداية المتوترة للعلاقات إلّا أنه لفها غموض شديد بينته مراحل لاحقة. فالأوربيون لا يستطيعون تقديم  الدعم المطلق لانقلاب (ذو صبغة دينية) في منطقة مثل الشرق الاوسط دون ضوء أخضر أمريكي.

في منحىً آخر اعتبر الأمريكيون حدوث ثورة شيعية  بوجه الأغلبية السنية في المنطقة يحقق أمرين مهمين:

الأول يتمثل في تحويل  دفة الصراع  مع إسرائيل إلى صراع آخر سني شيعي بين إيران وجيرانها العرب خاصة والسنة عامة.

أمّا الثاني قد يحقق عائدات مادية كبرى من صفقات بيع السلاح للطرفين، حيث تسارعت وتيرة التسلّح في المنطقة خصوصاً لبلدان مجلس التعاون الخليجي وبلغت صفقات السلاح الأمريكي المُباع لها أرقاماً فلكية.

على إثر هذا التغير في المناخ السياسي جاءت الحرب العراقية الإيرانية كتجربة حقيقية للعلاقات الأمريكية العربية من جهة والعلاقات الأمريكية الإيرانية من جهة أخرى. كما أنها مثلت إحدى الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط والمستفيد الأكبر هو بلاد العم سام لما أنتجته هذه الحرب.

بعض النتائج المهمة للحرب الإيرانية العراقية:

  • صفقات تسلح كبرى أبرمتها أميركا مع الأطراف المتصارعة بالإضافة إلى حض دول الخليج على زيادة ترسانتها الدفاعية من الأسلحة الأميركية حققت عائدات مادية ضخمة للخزانة الأمريكية.
  • جعلت من المنطقة سوقاً لتصريف أنواع مختلفة من الأسلحة وما يرافق الحروب من تهريب للآثار والعملة والثروات الأخرى.
  • انتهاء الحرب بلا غالب أو مغلوب وكانت أهم نتائجها أنها أضعفت الطرفين العراقي والإيراني إلّا أنها فتّحت الأعين في واشنطن على دور قوي في المنطقة يمكن أن يلعبه النظام الإيراني برؤية مختلفة وهذا التقى مع المصلحة الإيرانية الرامية إلى مد أذرعها في مناطق خارج إيران لتكوين مشروع دولة كبرى في المنطقة.

وإذا فندنا النتيجة الأخيرة نجد أن إيران استفادت من العلاقات السرية مع الولايات المتحدة حيث أنشأت تنظيمات عقائدية تتبع لها بشكل مباشر كحزب الله اللبناني والمليشيات العراقية مثل عصائب أهل الحق وفيلق بدر وكذلك مليشيا الحوثي  في اليمن . وأيضا هناك تدخلات مباشرة في سياسات الدول مثل سيطرة حزب الله على القرار في لبنان وتهديدات إيران المستمرة بما يخص الشأن البحريني والتدخل في الشأن الداخلي لدول أخرى كما حدث في المملكة العربية السعودية ودولة الكويت.

سياسة إيران التي اعتمدت على الطائفية من أجل إعادة أمجاد دولة كسرى وتحقيق توسع في الدول المجاورة حتى بات قادتها يتبجحون باحتلالهم خمس عواصم عربية والسيطرة على قرارها السياسي.

هذه الأطماع إذا أضفنا لها البروبيغاندا الإعلامية ضد إسرائيل والبرنامج النووي الإيراني جعلت الأمريكان يعيدون تفكيرهم وترتيب أوراقهم  في علاقاتهم مع إيران التي ارتكب قادتها أخطاء كبرى وربما قاتلة  منها:

  • التقارب مع روسيا المنافس الوحيد للأمريكان في المنطقة(عسكرياً وسياسياً وإقتصادياً).
  • استعداء دول الخليج بقوة والوصول لحديقتهم الخلفية من خلال أحداث اليمن والبحرين.
  • التبجح بالتصنيع العسكري والدعاية الايرانية بدعم حماس وممارسة دور القوة العظمى في المنطقة.

لذلك لم يُجد الإيرانيون اللعبة فوقعوا في فخ الاعلام والقوة الفارغة، حيث تم استدراج إيران كدولة إقليمية للمستنقع السوري وخسارتها الكبرى فيه، كذلك فقد أوهن تدخلها غير المباشر في اليمن من قواها وسلط الضوء أكثر على خطابها السياسي الطائفي.

كل هذا جعل من مصير إيران كدولة على المحك لكن ربما هذه المرة للأمريكان رأي مختلف، فهم ليسوا على استعداد لخوض حرب مع دولة عقائدية وتملك ترسانة أسلحة، فكان لجوئهم لأساليب الحروب بالوكالة عن طريق مجموعات وليست دول هذه المرة من الداخل بتشجيع القوى الانفصالية والحركات التحررية داخل إيران .

حيث وجدت الإدارة الأمريكية أنه من السهل العمل على تفكيك إيران كدولة من الداخل أكثر من العمل على إسقاط نظامها من خلال الحرب.

المحيط المعادي لإيران قد يساعد كثيرا في تفتيت إيران إلى عدة دول  . عطفاً على انقسام المجتمع الايراني إلى شعوب ذات أصول عرقية وإثنية مختلفة كالكرد والعرب والفرس.

هذه الشعوب محكومة بالقوة من قبل أقلية عرقية ودينية تمارس عليها كل أنواع الاستبداد .

بقراءة الوضع العام في محيط إيران وداخلها نستنتج أن الخطوات الأولى قد بدأت ,وهو ما بدى جلياً في عدة أمور منها.

أولاً: تشجيع الشيعة العرب على فك إرتباطهم بإيران وإن كانت الخطوات لا تزال خجولة لكن مؤشراتها بدت واضحة في تحركات الشيعة العرب ممثلين بالتيار الصدري في بغداد مؤخراً وربما لازال الامريكان يبحثون عن الشخصية المناسبة للقيام بهذه المهمة حيث يتم تداول أسماء شخصيات مثل إياد جمال الدين وعمار الحكيم.

ثانيا: استنزاف القوة الايرانية في سوريا من خلال توريطها أكثر وتغذية الخلافات مع حليفتها روسيا.

ثالثاً: تغذية الحركات الانفصالية لدى الشعوب المضطهدة ,من خلال دعم حركات الانفصال ,مثل حركات النضال في الاحواز والفصائل الكردية الايرانية التي بدأت تظهر تباشيرها  بعمليات صغيرة لكنها مؤثرة، ربما من خلال الدعم المادي والمعنوي بالسلاح والذخيرة. وهناك من يرى دوراً خليجياً في هذا الدعم وإن لم يكن بادياً للعيان.

رابعاً: الدعم السياسي الذي ظهر جليا في مؤتمر المعارضة الايرانية الذي شهد تطوراً ودعما ً ملحوظاً من شخصيات لها ثقلها السياسي والدبلوماسي ومن خلال الدعاية الإعلامية الكبيرة التي رافقت فعاليات المؤتمر.

ومن خلال رمزية المكان حيث كانت باريس مكان اقامة زعيم الثورة الايرانية الخميني  قبيل إنطلاق  الثورة الاسلامية في ايران وعودته منها ليحكم ايران بطائرة للخطوط الجوية  الفرنسية.

فهل نشهد ربيعا إيرانيا ؟ شبيه بالربيع العربي خاصة بعد تبني المعارضة الايرانية شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)

وهو ذات الشعار الذي اتفق عليه الثائرون في ما يسمى الربيع العربي .

بقلم: فراس علاوي

مواضيع متعلقة

اترك رداً