الظاهرة الجهادية تعبير عن بؤسنا وفشلنا في العالم العربي والإسلامي

img

مقدمة: لم تكن ظاهرة السلفية عموما والسلفية الجهادية على وجه الخصوص دخيلة أو مستحدثة على عالمنا العربي والإسلامي بل إن غالبية المتبنيات والمفردات التي تؤمن بها على المستويين النظري/ المفاهيمي، أو العلمي/التطبيقي لها جذور ومرتكزات ومرجعيات عقائدية وفقهية تمثلت بأكبر مدرسة في تاريخ الإسلام كان على رأسها المحدثون وكثير من فقهاء المذاهب الذين سمو (بأهل السنة والجماعة) وعلى أساس هذا  المصطلح الذي نشأ في ظروف غير صحية اختلط فيه الديني بالسياسي، لعب هذا التيار دورا خطيرا في توظيفه أيديولوجيا لإقصاء كل التيارات الإسلامية الأخرى التي مورس عليها هذا الإرهاب الفكري بوصفهم بالبدعة والضلالة واللعن والتكفير وصولا إلى القتل إذا اقتضى الأمر، ومن هؤلاء (المعتزلة والشيعة والخوارج والفلاسفة الإسلاميين) والاستعانة عليهم بسيف السلطة ومنطق القوة لا قوة المنطق.

لقد أسس هذا التيار – أدرك أم لم يدرك – لثقافة الاحتراب والتكفير لأكثر من ألف سنة. وبإرث فقهي وفكري نشأ تاريخيا مع المدرسة السلفية النصوصية المحافظة وتحديدا في العصر العباسي وتطور ليصل في العصر الوسيط مع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى أقصى درجات المفاصلة مع الآخر الإسلامي وغير الإسلامي وعدم إمكانية التعايش مع المخالف.

بهذا النمط من التعصب الديني والعقائدي والتشنج المذهبي والطائفي تلقت التيارات السلفية المحافظة عموما جميع أفكارها ورؤاها العقدية والفقهية لتتطور أفكاره وتصل إلى أقصى مراحل العنف والتطرف مع تيار السلفية الجهادية المعاصر.

يسعى هذا البحث بالتركيز على ظاهرة العنف العابر للحدود والمتمثل بما صار يعرف (بالسلفية الجهادية) بكل أشكالها وتمظهراتها الخطيرة وتحديدا في الحالة السورية. تتمثل مشكلة البحث الرئيسة في الآثار والانعكاسات التي يفرضها هذا التيار على المجتمع بكل فئاته من خلال توظيفه للمقدس الديني والثقافة السلفية التي شاعت في العقدين الأخيرين وبزخم من الخطاب التعبوي الجهادي.

إذن بسبب تنامي هذه التيارات وتأثيرها على قيم المجتمع السوري وثورته نتج عن هذه المشكلة تساؤلات عدة أهمها:

_ ماهي الأسباب الحقيقية وراء دخول هذه الجماعات الجهادية على خط الثورة وحرفها عن مسارها الوطني وتطلعات شبابها للحرية والعدالة ودولة القانون.

_ وما هي أهم التحديات التي تواجه الثورة بكل فئاتها وطاقاتها المدنية والعسكرية للتصدي لهذا النموذج الذي يهدد مستقبلها والسلم الأهلي فيها.

_ كيف استطاعت هذه التيارات الجهادية جذب الشباب إلى صفوفها والقتال معها لصالح مشروعها الذي يتعارض مع قيم التدين في المجتمع السوري وقيم الثورة وأهدافها.

_ لماذا لم يستطع قادة الثورة من سياسيين وعسكريين ومثقفين وأكاديميين وحتى نشطاء مدنيين من الحفاظ على الشباب الذين هم روح الثورة ومادتها الرئيسة فهل الأسباب ذاتية أم موضوعية، داخلية أم خارجية

_ وما هي الحلول العملية المقترحة للتصدي لهذا الفكر الذي لا ينتمي إلى قيم الشعب السوري المؤمن بالتعايش والاعتراف بالآخر والتسامح الديني والمذهبي والعرقي وتاريخه شاهد على ذلك.

وتتجلى أهمية البحث في تسليط الضوء على تحدي كبير من تحديات الثورة السورية ألا وهو التأثير الثقافي والفكري وما أحدثه من تغير وتحول عند كثير من شباب الثورة بسبب هذه التيارات الجهادية المتطرفة والتي تنطق باسم الإسلام، كما وتكمن أهمية الدراسة أيضا في تركيزها على الهدف الأساسي والجوهري المتمثل في قيمة (الحرية) التي كانت الدافع لهذه الثورة وتأثير التيارات الجهادية على هذه القيمة.

كما ويهدف هذا البحث إلى رصد وتحليل خطاب التيارات السلفية الجهادية وأهم مرجعياتها التاريخية والمعاصرة ونقد أهم البنى الفكرية الأيديولوجية التي يعتمد عليها في خطابه ومحاولة فهم الأسباب الكامنة وراء قوته وتمدده.

أما بالنسبة لمنهج البحث: فقد اعتمد البحث على المنهج الاستقرائي الذي يعتمد على تتبع جزيئات الموضوع للوصول إلى نتائج كلية، والمنهج التحليلي أيضا الذي يقوم على بيان الجزئيات ووظيفة كل جزء.

هناك مقاربتين عند الباحثين والدارسين في فهم جذور ونشوء هذه الظاهرة السلفية بشكل عام والجهادية على وجه الخصوص فالاتجاه الأول يرجع هذه الظاهرة إلى التاريخ الإسلامي في العصر الوسيط وتحديدا في العصر العباسي الأول مع تشكل الأفكار السلفية منذ أحمد بن حنبل (164_241/ 780 _ 855)

وابن تيمية في القرن الثامن الهجري، وصولا إلى محمد بن عبد الوهاب، فالنسخة السلفية الإصلاحية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، التي لم تستمر، لتطغى النسخة السلفية التقليدية الإحيائية

قبل أن تبدأ اتجاهات سلفية أخرى بالظهور انطلاقا من المشهد السعودي، بداية بالسلفية الحركية وصولا إلى الجهادية[i]، وهذا الاتجاه هو الذي ذكرناه في مقدمة البحث لتتبع نشأة هذا التيار. أما الاتجاه أو المقاربة الثانية في فهم وتفسير نشأة تيار السلفية الجهادية فتطرح مقاربة جديدة لفهم الظاهرة عموما وتنظيم داعش خصوصا تختلف عما هو سائد في الأدبيات العربية والغربية والتي عادة ما تربط دوافع نشأة هذه الحركات بالعودة إلى الماضي وعلى غير السائد غربيا، نشر كيفن ماكدونالد، وهو أستاذ علم الاجتماع في جامعة ميد لسكس في بريطانيا، مقالا قصيرا في صحيفة الغارديان البريطانية (9 ايلول/ سبتمبر 2014) بعنوان ” جهاديو داعش ليسوا قروسطين _ لقد تشكلوا أو ” تأثروا ” بفلسفة الحداثة الغربية “، نسف فيه الطروحات والمعالجات الرائجة غربيا عن الحركات الجهادية عموما، وتنظيم ” داعش ” خصوصاً[ii].

ويتابع الباحث حمزة مصطفى في نفس المقال فيقول: (لا تنبع أهمية طرح ماكدونالد من غرابته، فهو واحد من بعض أصوات كثيرة في الأكاديميا الغربية

مثل جون غري ( Gray.j ) صاحب كتاب (القاعدة ومعنى ان تكون حداثية ) ،

أوليفيه روا ( roy .o ) في كتابه (الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة) ،

أنطونيو نيغري ( Negri . A ) ومايكل هاردت ( Hardt . M ) في كتابهما

المشترك (الإمبراطورية)، وزيغمونت باومان ( BauMaN . Z) في كتابه (الحداثة السائلة)، قاربت المسألة الجهادية ونشوء الحركات العنيفة   “الحركات الانفجارية ” باعتبارها رد فعل متوقعا وطبيعيا على مشروع الحداثة الغربي وتوظيفاته الكولونيالية ، خاصة في مرحلة العولمة والهيمنة الأمريكية لكن ما يميز طرح ماكدونالد هو اعتماده مقاربة شمولية تنطلق من مفهوم الحداثة وأفكارها ومرتكزاتها وصيرورتها وتجلياتها لإثبات أن الجهادية المعاصرة وتمثلاتها الإجرائية الأخيرة، \على رأسها  ( داعش ) ، لا تعد ظاهرة قديمة تعود إلى العصور الوسطى، كم أنها ليست رد فعل على الحداثة أو مفرزا جانبيا من مفرزاتها، وإنما هي ظاهرة حداثية بحتة، نشأت في كنفها واستلهمت مفاهيمها وتطبيقاتها، وتماهت مع صيرورتها، مع أنها، أي الحركات الجهادية روجت لنفسها باعتبارها مشروعا مقاوما للحداثة، وبديلا ماضويا من مشروعها الدولتي الحديث[iii].

مع أننا نميل في هذا البحث لتأكيد الاتجاه الأول الذي يركز على البعد التاريخي وتأثيره الكبير في بنية العقل السلفي من خلال تشكله في داخل المنظومة التقليدية العقائدية والفقهية ومعالم تطوره والمراحل التي انتقل عبرها حتى وصل إلى الحالة الحديثة، ثم المعاصرة، فالراهنة.

إلا أننا لا نغفل العناصر الحداثية والمعاصرة الوافدة من الغرب في التأثير على بعض الأطروحات والمتبنيات عند هذه التيارات كردة فعل على الحداثة الغربية بكل مفرداتها حول الدين والسياسة وشكل الحكم والدولة، فأنتج مفهوم الدولة الإسلامية مقابل مفهوم الدولة العلمانية او المدنية في محاولة لأسلمة الوافد الثقافي في كل مجالاته.

الحالة السورية:

ترجع جذور الحركة السلفية في سورية إلى نهاية القرن التاسع عشر في ما اصطلح على تسميته (بالسلفية الإصلاحية) والتي كانت شبيهة إلى حد كبير بالسلفية الإصلاحية التي نشأت في مصر على يد الشيخ محمد عبده، بمعنى أنها كانت حركة تنويرية وتثقيفية نشأت لمواجهة حالة الاستبداد والتخلف الموروثة من العهد العثماني ولعل أبرز رموزها آنذاك المفكر الإصلاحي عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ محمد رشيد رضا

وقد تفرعت عن هذا التيار عدة جمعيات، كانت قد أدت دورا مهما في الحياة السياسية، ومن أبرزها: (الجمعية الغراء) التي تأسست عام 1924، وجمعية التمدن الإسلامية التي أسسها عام 1930 مظهر العظمة وبهجت البيطار (أحد تلاميذ الشيخ جمال الدين القاسمي)[iv]. وبخلاف التيار السابق، نشأت الحركة السلفية التقليدية (المحافظة) متأثرة بالمرجعيات التاريخية للتيار السلفي التقليدي، مثل ابن تيمية وابن القيم الجوزية، ولا حقا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتدين السلفية التقليدية بالفضل في إحيائها وتفعيل نشاطها في سورية إلى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (1914_1999)[v]

والشيخ عبد القادر أرناؤوط،  وتلميذه محمد عيد عباسي الذين نشطوا ضمن المعاهد الشرعية وركزوا على نشر الدعوة وأفكار التيار السلفي من دون الانغماس في العمل السياسي ، أما بذور السلفية الجهادية في سورية ، فإنها خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في سورية في منتصف الثلاثينيات وأعلن عنها رسميا عام 1945، وانتخب الشيخ مصطفى السباعي مراقبا عاما لها ، فبعد عصيان حماة عام 1964 أسست مجموعة من أعضاء الجماعة بقيادة مروان حديد خطأ جديدا يختلف عن توجهات مؤسسيها الذين كانوا يفضلون طريق العمل السلمي للوصول إلى السلطة ومن أبرزهم مصطفى السباعي ومحمد المبارك وعصام العطار[vi] . ولقد أصدرت (جمعية التمدن الإسلامية) مجلة بعنوان ” الجمعية ” لتتحول إلى مرجعية للسلفية الشامية، قبل أن تغلق عام 1982 على خلفية أحداث الإخوان المسلمين، أما الوجه الآخر للسلفية السورية فقد نما وصعد نجمه في الخارج، وهو ما يتعارف عليه في أوساط الباحثين بالسلفية الحركية، والذي مثله الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين.

إن السلفية الشامية الإصلاحية التي أسسها محمد رشيد رضا وجمال الدين القاسمي وبهجت البيطار وأحمد مظهر العظمة وغيرهم ، تمتاز بطابع توافقي عقلاني منفتح على الآخر في السياق العربي الإسلامي ومن فتح على الحضارة الغربية في بعض مخرجاتها ، بهذا الفهم المستنير للإسلام استطاع هذا التيار السلفي الإصلاحي من التوفيق بين ثوابت الإسلام وأصوله من جهة وبين فكر التنوير الغربي الوافد من جهة أخرى،  استمرت هذه المدرسة في نهجها الإصلاحي النهضوي بالتواصل مع كل الشخصيات الوطنية الإسلامية وغير الإسلامية من القوى الوطنية الليبرالية في سوريا مؤمنا بكل القيم الحديثة من المواطنة إلى الحرية والتعددية إلى المساواة والعدالة وإلى سيادة القانون وغيرها من القيم السياسية والفكرية .

غاب هذا النموذج المتجاوز لكل الأطروحات الدينية والمذهبية الضيقة والمتخلفة -عن الساحة العربية والإسلامية وفي سوريا على وجه الخصوص وذلك بعد انقلاب البعث في الثامن من آذار /مارس 1963 ضد الرئيس ناظم القدسي والحكومة المنتخبة برئاسة خالد العظم، كان من نتائج هذا الانقلاب إلغاء التعددية السياسية وقيام دولة الحزب الواحد في سوريا، وإنفاذ قانون الطوارئ منذ عام 1963وحتى قيام الثورة عام 2011 وتم حل جميع الأحزاب السياسية.  ومن هذه الجماعات والتيارات الدينية التي تفككت هي ما كان يعرف بالتيار السلفي الإصلاحي التنويري الذي تحدثنا عنه، ويصف المؤرخ السوري عبد الله حنا هذا التيار السلفي (بالسلفية النهضوية) تميزت ببداية ظهور طبقة (أو فكر طبقة) برجوازية منتجة، مرتبطة بأرضها ووطنها، وتستحوذ على تفكيرها تجاوز التخلف واللحاق بركب الحضارة الغربية البورجوازية، والاستلهام من عصر النهضة الأوروبية في مرحلة الرأسمالية المبكرة التقدمية قبل دخولها عصر الإمبريالية والاستبداد والطغيان. ومن أبرز صفاتها نظرتها الإنسانية إلى الحضارات الأخرى، التسامح (في معظم الأحيان) سعة الصدر والانفتاح على تيارات الحضارة العالمية، احترام الرأي الآخر (نسبيا) والدخول في حوار معه. وتجلى ذلك في الحوار مع التيار الليبرالي العلماني في مجال فكري اختلفت درجة حرارته من فترة إلى أخرى[vii].

انصرف التيار السلفي بعد ذلك إلى طور تقليدي ينزع إلى الذات والخصوصية لا يؤمن بالحوار منهجاً للتواصل والتفاهم مع الآخر، يؤسس لخطاب أحادي مذهبي منغلق وعدواني، بلغت ذروته في نهاية السبعينيات، تحول إلى ما يسمى بالسلفية العلمية. ويمكن اعتبار مناظرة الشيخين سعيد رمضان البوطي وناصر الدين الألباني مثالا نموذجيا على ذلك كما يؤكد الباحث عبد الرحمن الحاج.

_ بيئة الفكر السلفي الجهادي:

مع وصول أنظمة استبدادية وشمولية علمانية إلى الحكم في عدد من الدول العربية وعلى رأسها مصر وسورية والعراق بدأ تدشين عهد جديد من القمع والإرهاب السلطوي وتغول السلطة في كل مفاصل المجتمع وإنهاء الحريات بكل أشكالها وممارساتها من حرية الكلمة إلى حرية الفكر والكتابة وصولاً إلى حرية الأحزاب والتجمعات. وفي هذه الفترة ما بين السبعينيات والثمانينيات ظهرت في سورية تجربة الطليعة المقاتلة بقيادة مروان حديد الذي تأثر بأفكار سيد قطب عندما ذهب إلى مصر، وكانت هذه الأفكار قد ساهمت بشكل واسع في وضع البنى التنظيرية الأولى للفكر السلفي الجهادي والجماعات الإسلامية الراديكالية ، منذ منتصف القرن الماضي في أغلب البلدان العربية وظلت كامنة في عقول فئات مختلفة من أعضاء الحركات الإسلامية ، إلى أن وجدت طريقها في سورية عبر التحرك الذي قاده السوري الإخواني مروان حديد، عقب عصيان حماة عام 1964ووجد ضالته في الانضمام إلى العمل المسلح الذي كانت تتجه قواعد حركة  ( فتح ) الفلسطينية في الأردن ضمن ما عرف  ( بقواعد الشيوخ )  في غور الأردن  ( 1968_1970) التي كان أبرز وجوهها الشيخ عبدالله عزام وكان حديد قد أعد في  ( قواعد ) فتح في الأردن الخلايا الأولى لتنظيمه الطليعة المقاتلة، والذي كان البذرة الأولى للسلفية الجهادية في سورية[viii].

وبعد صراع السلطة في سورية مع الإخوان والطليعة المقاتلة حسم النظام المعركة لصالحه في مدينة حماة عندما دخلها عام 1982، وبعدها اتخذ النظام النهج الأمني والبوليسي خيارا لمواجهة التنظيم والمجتمع على حد سواء محاولة منه لتجفيف كل منابع الفكر الجهادي المسلح في سورية، ومن خلال القبضة الأمنية والملاحقات والاعتقالات التي طالت أفراد الجماعة ولم تستثني أحد فبدأ الكثير منهم بالفرار إلى خارج البلاد فمن كان منهم يحمل الفكر الجهادي التحق ببيئات تحتضن هذا الفكر وتدعمه فكانت أفغانستان هي الوجهة لجهاد السوفييت وذلك منتصف الثمانينات وبعد انتهاء حرب (تحرير) أفغانستان من الاحتلال السوفييتي عاد الكثير من الأفغان العرب إلى بلادهم حاملين أفكارا خطيرة تبلورت بشكل أساسي من خلال صراعهم مع الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي ومن جهة ثانية مشاركتهم في الجهاد على عدة جبهات من أفغانستان إلى الشيشان ثم البوسنة والهرسك، فتكونت لديهم إيديولوجيا عنيفة وثأرية تسعى للانتقام من الأنظمة والمجتمعات في بلادهم ليصبحوا قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي برمته. خلق ذلك كله مناخا يغري الأجيال الشابة بالتفكير بالجهاد، فتشكلت جماعات صغيرة غير منظمة يجمعها مجرد اهتمام مشترك بهذا الموضوع، وهي رغم تشابهها فكريا مع تفكير الطليعة المقاتلة في نسختها الأخيرة (كما ظهرت عند قائدها الشيخ عدنان عقلة) إلا أنها بالتأكيد لا تنبت من الذاكرة الإسلامية السياسية السورية في الثمانينات ولا حتى من أدبيات الطليعة المقاتلة مباشرة، بقدر ما تشربت معنويا من رموز الجهاد الأفغاني والقوقازي، وبالإضافة إلى رموز الصحوة الإسلامية السلفية الجديدة الصاعدة في السعودية[ix].

_ عالمية الفكر الجهادي:

من خلال جملة من الأسباب الداخلية والإقليمية والدولية وما شهدته عدة بلدان عربية وإسلامية من احتلال وغزو من بداية الثمانينيات والتسعينيات وصولا إلى أحداث 11/9 سبتمبر 2001، أصبح الفكر الجهادي فكرا معولما عابرا للحدود وازداد انتشارا مع استخدام هذه التنظيمات للشبكة العنكبوتية، والقنوات الإعلامية مثل قناة الجزيرة الفضائية وظهور قادة القاعدة المتكرر عليها وعلى رأسهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري بعد تبنيهم لتفجير برجي التجارة في أمريكا فكانت لهذه الأشرطة تأثير كبير على جيل لا بأس به من الشباب العربي والمسلم ودعوة هؤلاء الشباب وتحريضهم لقتال الغرب الصليبي وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وعملائها من الأنظمة الكافرة في المنطقة العربية.

ومن مظاهر هذه العالمية لفكرة السلفية الجهادية قبل ظهور تنظيم القاعدة وبعده ، برزت في الساحة العربية والإسلامية جماعات وتنظيمات جهادية كثيرة نذكر منها (الجماعة الإسلامية في مصر بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن، والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر التي انضمت لاحقا إلى القاعدة، الجماعة الليبية المقاتلة، وجماعة جند أنصار الإسلام وزعيمها نجم الدين فرج المشهور بالملا كريكار في العراق بمنطقة السليمانية، وجماعة الشباب المجاهدين في الصومال، وجماعة التوحيد والجهاد في مالي، وتنظيم القاعدة وزعيمه الحالي أيمن الظواهري، ودولة العراق الإسلامية الذي تحول إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بقيادة أبي بكر البغدادي، وجبهة النصرة بقيادة أبي محمد الجولاني في سوريا والذي سمى نفسه أخيرا (هيئة تحرير الشام).

هذا الانتشار الجغرافي الواسع على مدار أكثر من ثلاثة عقود يؤكد على عالمية الفكر السلفي الجهادي وتهديده لكثير من الدول والمجتمعات.

إن أبا مصعب السوري أحد أكبر مؤرخي ونقاد التيار الجهادي العالمي قدم مشروعا معرفيا يزيد على 1600 صفحة بعنوان ( دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ) تناول فيه أدق تفاصيل التجربة الجهادية على امتداد أربعين عاماً في مختلف دول العالم الإسلامي، بدءاً من الواقع المعيش إلى حصاد التجربة ويخلص أبو مصعب السوري في مشروعه إلى تحديد مصادر الفكر الجهادي العالمي مشيراً إلى تشكله من خليط ضم : ( أساسيات من فكر الإخوان المسلمين + المنهج الحركي للشهيد سيد قطب + الفقه السياسي الشرعي للإمام ابن تيمية والمدرسة السلفية + التراث الفقهي العقدي للدعوة الوهابية , وأخيرا المنهج السياسي الشرعي الحركي للتيار الجهادي) .

ويؤكد أبو مصعب السوري: (بأن المكسب الأكبر للتيار الجهادي من تلك التجربة (الأربعين سنة الماضية) هو عولمة التيار الجهادي فكريا وحركيا)[x]

_ العراق وتأثيره في الحالة السورية:

مع حرب الخليج الثالثة 20 مارس عام 2003، ودخول الامريكان إلى العراق ثم سقوط صدام حسين ونظامه البعثي وانهيار جميع مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش، دخل العراق في فوضى عارمة أدى إلى فراغ كبير بسبب فشل إدارة الأمريكان للبلد والتدخلات الإقليمية لدول الجوار العراقي وفي مقدمتها إيران وحلفاؤها سياسا ومذهبيا وبطبيعة الحال النظام السوري الذي كان ينتظر دوره بعد سقوط النظام البعثي في العراق فعمل على إرسال المقاتلين المتطوعين وسهل وصولهم عبر الحدود وذلك لتأخير المشروع الأمريكي وإغراقه في المستنقع العراقي. ففي أجواء الحروب ومناخ الفوضى وغياب الدولة والفراغ السياسي والأمني الذي تفرزه هذه الحروب وفي ظل هذا الوضع بدأت التنظيمات السلفية الجهادية وعلى رأسها تنظيم القاعدة بالتوافد إلى العراق لأن هذه التنظيمات لا تستطيع ان تعيش وتقوى , إلا في هذه الظروف وهي دائما تفضل العمل في أجواء الحروب لأنها لا تحسن إلا القتال وليس لديها أي مشروع سواه.

وإذا عدنا إلى الوضع السوري قبل دخول الأمريكان إلى العراق، ومع اقتراب موعد الهجوم الأمريكي مع قوات التحالف، كانت الأجواء في سوريا تشحن على كافة الأصعدة، رسميا وإعلاميا وشعبيا، باتجاه صناعة واستقبال موجة الجهاديين الجدد على أساس مواجهة استباحة الغرب (الكافر) للأراضي المسلمة.

تبادل الشيوخ الرسميون والشيوخ المتحالفون مع النظام السوري الأدوار في هذا التجييش الجهادي، بالإضافة إلى تصريحات السياسيين الرسميين.

ففي 26 مارس / آذار 2003، دعا مفتي الجمهورية الشيخ أحمد كفتارو المسلمين في كل أنحاء العالم

إلى الجهاد، واستخدام كل الوسائل الممكنة في هزيمة العدوان، بما في ذلك العمليات الاستشهادية ضد الغزاة المحاربين. وهي دعوة أعادها البوطي في خطب الجمعة، حيث حث فيها المسلمين الشباب على التوجه إلى الأجر العظيم الذي ادخره الله عز وجل للمقاتلين في “جهاد الفريضة ” والتي لم تتجلَّ أسباب فرضيتها في عصر من العصور كما تجلت في هذا العصر في أرض العراق الأرض الإسلامية[xi].

بعد ذهاب كثير من الشباب السوري إلى القتال في العراق بدوافع مختلفة ثم عودتهم بعد ذلك بدأ النظام السوري باستدعاء كل من رجع إلى سوريا والتحقيق معه واعتقال البعض منهم، وتسليم آخرين إلى القوات الأمريكية، وفي عام 2005 أعلن النظام عن ضبط مجموعات “تكفيرية ” تطلق على نفسها اسم ” جند الشام للجهاد والتوحيد ” المرتبطة بتنظيم القاعدة، وهم من الأفراد الذين شكلوا خلايا نائمة بعد عودتهم من العراق.

والنتيجة أن الهجرة إلى أرض الجهاد (العراق) والقتال ضد الأمريكيين أحدثا نقلة في طبيعة السلفية السورية وحولتها من سلفية علمية /نظرية إلى سلفية جهادية. بحسب الكاتب علي العبد الله[xii]

وبعد مقتل شاكر العبسي زعيم جماعة فتح الإسلام في سوريا في مزرعة خارج مدينة دمشق بتاريخ 3/9/2007 بعد لقائه مع أمير تنظيم القاعدة في سوريا ومسؤول المنطقة الشرقية بلال هاشم شعبان وثلاثة من أعضاء التنظيم إثر اشتباك مع المخابرات السورية قتل خلالها العبسي واعتقل الباقي بسبب اكتشاف هذا التنظيم بدأ النظام حملة اعتقالات لكل التيار السلفي بشقيه الدعوي المسالم والجهادي ولم تسلم من هذه الاعتقالات حتى القوى السياسية المعارضة كإعلان دمشق وغيرها من قوى المجتمع المدني واستخدم النظام ذريعة محاربة الإرهاب و التطرف لقمع القوى السياسية و إعادة إرهاب المجتمع من خلال القبضة الأمنية .

  • ثورات الربيع العربي:

بعد أقل من عشر سنوات على احتلال العراق شهدت المنطقة العربية تحولاً تاريخيا كبيراً لم تشهده من قبل فمع مجيء عام 2011 انطلقت من تونس شرارة الربيع العربي لتنتقل إلى أهم دول المنطقة كمصر وسوريا و اليمن وصولاً إلى ليبيا للمطالبة بالحرية و العدالة ودولة القانون وفي سوريا وتحديداً في 15/آذار – مارس / 2011 انفجرت الثورة في درعا لتشتعل وتمتد في باقي المحافظات السورية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال ومن المناطق الوسطى مروراً بالمنطقة الشرقية حتى حدود العراق بنفس سلمي وباعث عفوي وهبة شعبية وبمطالب وطنية ومدنية تطالب بالحرية و الكرامة و العدالة وسيادة القانون و الديمقراطية وتنبذ العنف وترفض كل الإيديولوجيات الدينية و الطائفية و الإثنية والمناطقية وتدعو إلى التعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب تحت سقف المواطنة  في دولة مدنية تقف على مسافة واحدة من الجميع .

لقد أحرجت هذه الثورات أنظمة الاستبداد وكل عصابات المافيا من تجار ومتنفذين ومنتفعين من حالة الفساد و الاستبداد وغياب العدالة و القانون كما أحرجت النخب الأكاديمية و الثقافية و الأحزاب السياسية القديمة وعلماء الدين المتحالفين منهم مع السلطة وغير المتحالفين , وأهم النماذج التي أحرجتها هذه الثورات هي القوى الظلامية و المتطرفة ذات الإيدلوجيا العنفية المغلقة والتي كانت أهم شماعة يعلق عليها الجميع جرائمهم من الأنظمة الى القوى الدولية الى كل المستفيدين و الطامعين في هذه المنطقة وعلى رأسها دولة بأهمية سوريا .

من هنا سعت كل قوى – الردة المضادة – وأنا لا أسميها بالثورات المضادة كما يحلو لبعضهم أن يسميها لأننا برأيي نسيء لمعنى الثورة وقيمها وما تسمو إليه من مبادئ نبيلة للانتقال من حالة الفساد و الاستبداد و التخلف إلى طور جديد من العدالة و الحرية و الحكم الرشيد فعملت هذه القوى المضادة في الداخل و الخارج بإفشال وتخريب كل ثورات الربيع العربي لأن هذه القوى ستفقد نفوذها بسبب الانتفاضات الديمقراطية وهذه القوى هي : ( الولايات المتحدة الأمريكية , والاتحاد الأوربي , وفي المقدمة حلف شمال الأطلسي وإسرائيل و الحكام العرب القروسطيون مثل السعودية وأمثالها ) , إلا ان دائرة الخاسرين ( تشمل إيران ) أيضاً التي تبدو للوهلة الأولى خصما ً لأمريكا ولحلفائها الإقليمين و الأوربيين .

وهي في دائرة الخاسرين لأنها في نهاية المطاف جزء من المفردات السياسية ذاتها والإقليمية السياسية نفسها[xiii], بل إن الحدث الثوري الذي ضرب المنطقة أعظم وأخطر من ذلك بحسب ما خلصت إليه خمسة من كبرى ( المعاهد الألمانية المختصة بأبحاث السلام والصراعات ) في عنوان تقريرها الصادر عام 2011  في تحليلها لثورات شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعنوان ( الثورات العربية … انهيار جدار برلين )  فاعتبرت ثورات الربيع العربي منعطفا تاريخيا يقارن بانهيار جدار برلين .

من هنا عملت كل القوى الدولية وعلى رأسها الأمريكان مع حلفائهم في المنطقة والإقليم لخلق نموذج لديه القدرة على الدخول في هذه الثورات من باب الشعارات الدينية والإسلامية والتركيز على النموذج السلفي الذي لديه القابلية والاستجابة.  للاعتبارات التي ذكرناها في بداية البحث.

  • دخول السلفية الجهادية الى سوريا:

انفجرت الثورة وكانت التنظيمات الحزبية جميعها وعلى اختلاف ألوانها خارج دائرة صنعها، وانخرطت فيها كما انخرطت جميع القوى المدنية الأخرى، فلم يكن لأي منها دور القيادة، ولم يكن ثمة أي نوع من التنظيمات الحزبية أو الحركية السلفية، ومن انخرط من السلفيين في صفوف الثورة المدنية السلمية كانوا قلة وعلى نحو فردي، وكثيرون منهم كانوا ضحايا أحداث الثمانينات، وشاركوا على خلفيتها[xiv].

وبعد عشرة أشهر من المظاهرات السلمية وتصاعدها وانتشارها , تصاعدت عمليات العنف التي قام بها  النظام منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة وبدأ باستخدام القوة والرصاص الحي  لتفريقها , حتى قفز الى السطح المكون الثقافي الرئيس والأصيل في الشخصية السورية : الإسلام , إن عبر التكبير في مواجهة العنف وسقوط الشهداء وتدمير المساكن والمحال التجارية ودور العبادة , أو بالحديث عن الجهاد والشهادة والجنة الموعودة للشهداء الصادقين , لقد انطلق ايمانهم الراسخ بما زرعته فيهم الثقافة الإسلامية من قيم نبيلة ترفض تأليه الأشخاص أو تقديسهم ( لا إله إلا الله ) فالتجبر والتأله تجديف وهرطقة دينية محرمة , وإذلال الإنسان الذي كرمه الله وإهانته هرطقة اجتماعية وسياسية مرفوضة ومدانة , وقبول الظلم والذل جريمة يعاقب عليها الإنسان يوم القيامة بدخول جهنم[xv] .

بدأ ظهور الخطاب الديني مع انخراط بعض المجموعات السلفية في فعاليات الثورة ومنها التنسيقيات الخاصة بهم وبتمويل شيوخ من التيار السلفي في بلدان أجنبية وعربية وفي الخليج على وجه التحديد , ومع دخول الثورة مرحلة العسكرة في صيف 2011 بدأت تظهر الكتائب العسكرية التي تشكلت بداية من المنشقين عن جيش النظام وانظم إليهم متطوعون مدنيون بشكل متزايد ومع بداية عام 2012 شهدت الثورة السورية تغيراً جوهرياً في مسارها باتجاه الكفاح المسلح كمنهج رئيس في الصراع مع النظام وهو ما سيوفر معطيات تسمح بظهور الجماعات الجهادية وتشرعن وجودها وعملها ضمن صفوف الثوار .

ومن أهم هذه المعطيات كما يراها الباحث حمزة مصطفى هي:

  • اقتناع كثير من المحتجين بعدم جدوى النضال السلمي، وبخاصة مع تزايد عدوانية النظام ووحشيته ما جعل حضورها يصبح شرعياً ومقبولاً اجتماعياً
  • غياب التدخل العسكري من قبل المجتمع الدولي بموازاة ارتفاع حصيلة القتلى المدنيين أدى إلى التحالف مع الجماعات الجهادية بوصفها فاعلاً رئيسا ً في محاربة النظام
  • المجازر الطائفية: أسهمت المجازر الطائفية التي ارتكبها النظام في تنامي الخطاب المذهبي بين مؤيدي الثورة ومن جهة أخرى خطاب الجماعات الجهادية الطائفي لعب الدور نفسه .
  • دعوات الجهاد: شهدت سورية بداية عام 2012 دعوات عدة – لإعلان الجهاد – وقد تطرق المسؤول العام لجبهة النصرة أبو محمد الجولاني إلى ذلك في بيان الجبهة التأسيسي بالقول: (فتعالت أصوات النداء لأهل الجهاد، فما كان منا إلا نلبي ونعود لأهلنا وأرضنا من الشهور الأولى لاندلاع الثورة)[xvi]

دخل الفكر السلفي الجهادي إلى سوريا من بوابة العراق مع دخول جبهة النصرة في يناير/ كانون الثاني من عام 2012، وإن من أهم المرجعيات الفكرية والأدبيات الجهادية لجبهة النصرة كتابات أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم) من خلال كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية)

وينظر فيه للجيل الثالث من الجهاديين وكتابه (ملاحظات التجربة الجهادية في سورية) ويقيم فيه تجربة الطليعة المقاتلة في سوريا. وآخر كتاب له (أهل السنة في الشام في مواجهة السنة والنصيرية واليهود) يكفر فيه النظام السوري ويحدد أعداء المشروع الجهادي في سوريا وهم: اليهود الصهاينة، والعلويون، والشيعة، والدروز وأن اسم جبهة النصرة مأخوذ من أحد النداءات التي يوجهها في نهاية هذا الكتاب

“النصرة النصرة يا أهل الجهاد”.

يفيدنا استعراض هذه الأفكار في فهم كيفية تبلور جبهة النصرة وآلية عملها , فالمجموعات الجهادية الصغيرة و التي نشطت في الثورة أواخر عام 2011 (التي انتظمت في جبهة النصرة ) لم تكن ترتبط بتنظيمات جهادية معروفة ولم تعلن تبعيتها وولاءها إليها بل كانت عبارة عن سرايا جهادية تجتمع حول فكرة الجهاد و الدعوة وهدفها مقاومة قوات النظام ( صائل الغزات ) وبناء عليه يمكن القول أن النصرة لم تكن تنظيميا جهاديا تقليديا بقدر ما كانت وعاء يجمع هذه السرايا المتشابهة فكريا وإيدلوجيا ويطور بنيتها التنظيمية , ويرفدها بعناصر ومنتسبين جدد لتشكيل جبهة عريضة تكون عنوان الجهاد ومقصد المجاهدين في سوريا[xvii].

ولم يستقطب هذا التيار الجهادي من له خلفية سلفية من أفراد وكتائب فقط بل استطاع من خلال الدعم المالي الذي يحظى به من عدة مصادر أهمها الغنائم في معاركه مع النظام وسيطرته على مصانع الحبوب بالإضافة إلى آبار النفط التي سيطر عليها في دير الزور.

فاستطاع أن يضم إليه كثير من كتائب الجيش الحر التي لا تؤمن أصلاً بهذا الفكر ولكن ضعف الإمكانات المادية وقلة الوعي الديني و الثقافي كانا سببين للانضمام إلى هذا التيار وحتى بعض النشطاء المدنيين تأثر بطريقة أو أخرى بهذا الفكر الجهادي من خلال ما حققه هذا التيار الممثل بجبهة النصرة من انتصارات كبيرة في مناطق من ريف حلب وإدلب وحماة ودير الزور ومن هنا بدأت التحولات الفكرية تظهر عند الكثير من الثوار إن على مستوى كتائب الجيش الحر أو قوى الثورة المدنية الذين خرجوا في الثورة لتعزيز كل القيم المدنية و الوطنية من الحرية إلى العدالة إلى الديمقراطية و الدولة المدنية والتأكيد على وحدة الشعب السوري بكل طوائفه ونبذ العنف على أساس ديني أو عرقي طائفي  والعمل على بناء دولة المؤسسات وحكم القانون .

ازدادت هذه القيم تراجعاً مع هذا المد السلفي الجهادي وما يحمله من إيديولوجيا عنفية منغلقة يتبنى مشروعاً خارج حدود الدولة الوطنية الحديثة ويكفر بكل قيمها , ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) في صيف 2013 وسيطرته السريعة على كثير من الجغرافيا السورية وهو النسخة الأكثر تطرفاً وتوحشاً في الفكر السلفي الجهادي فالتحول الذي أحدثته داعش وظهورها السريع في المجتمع الإسلامي في العراق وسوريا , يجب أن لا يكون سؤالاً محيراً لنا , لأن هناك عوامل تاريخية تراثية كامنة في معطيات التراث بالإضافة إلى بيئة فكرية وتراثية فوضوية , وفرتها المساحات السياسية و الجغرافية في هاتين الدولتين ساهمت بشكل مباشر في هذا الظهور .

بدأت الثورة السورية مرحلة جديدة مع هذا التنظيم الدموي الذي استنزف كل قوى الثورة وحكم عليها بالكفر والردة ولم يستثني أحداً بما فيها الفصائل الإسلامية الجهادية وهو منذ تشكله ودخوله ساحة الصراع، وفرض سيطرته على بعض المناطق المحررة رفع راية تطبيق الشريعة بالقوة وتكفير المخالفين له بالرأي، واستباحة دماء من لا ينصاع لأوامره، وقتل واختطاف واغتيال الصحفيين والناشطين. ومن خلال تراجع سيطرة الجيش الحر على كثير من المناطق في سوريا لصالح التيارات الجهادية وعلى رأسها تنظيم الدولة داعش تراجعت القوى المدينة والثورية فخرج الكثير منهم إلى دول الجوار و أوربا بسبب الانتهاكات التي مارسها داعش بحق كل مؤسسات الثورة من مجالس محلية وجمعيات إغاثية ومحاكم قضائية وغيرها من قوى المجتمع المدني وبعدها بدأ التنظيم بالسيطرة على أهم جانب في الثورة ألا وهو التعليم والتأثير من خلاله على فئتين من المجتمع هم الأطفال دون سن الثامنة عشر إضافة إلى فئة الشباب ليبدأ من خلال المساجد و المدارس الخاضعة لهم من فرض مناهج جاء بها من الموصل تعبر عن أيديولوجيته الظلامية التوحشية التي لا تؤمن إلا بالقتل وقطع والرؤوس ولا ترتاح إلا بمشاهد الدماء و الأشلاء ومن خلال توظيف المقدس الديني من (قرآن وسنة ) وفقه وفتاوى لرموز التيار السلفي الجهادي الأكثر تشدداً من خلال هذه المناهج فرضوها قسراً على الناس بدأ الكثير من مؤيدي الثورة وفصائل الجيش الحر الذين بايعوا التنظيم أو مدنين تأثروا بشكل مباشر او غير مباشر بشعارات دينية وإسلامية كتطبيق الشريعة و الحدود والتطبيق الصارم للعبادات و الشعائر وفكرة الخلافة وواجب الجهاد والولاء والبراء بكل هذا الزخم من الشعارات الإيديولوجية وفي ظل ظروف إنسانية واقتصادية كارثية, عملت هذه التنظيمات الجهادية على اقتناص فرص ( فراغات السلطة ) التي يخلفها انهيار الأنظمة أو تلك التي تخلفها التوترات والنزعات السياسية و الطائفية الحادة والتمدد في مساحاتها واستغلال ظروف الناس فيها .

وهناك أسباب أخرى لتأثير هذا التنظيم والتيارات السلفية الجهادية عموما على وعي الناس وإيمانهم بأوطانهم وأديانهم القائمة على التسامح والتعايش والتعددية والاعتدال ونبذ كل أشكال العنف.

ومن هذه الأسباب تراجع دور العلماء والمثقفين وباقي القوى المدنية من العمل على رفع مستوى الوعي السياسي والوطني وأخص بالذكر علماء الدين الذين تركوا فراغاً كبيراً وتخلوا عن مسؤولياتهم الثورية والأخلاقية فجاءت هذه التيارات والكيانات المتطرفة لتملأ الفراغ وتغير مجرى الأحداث في الثورة وتحرفها عن غاياتها الوطنية. وهناك أيضا مسؤوليات تخلت عنها القوى السياسية في الثورة والمتمثلة بالائتلاف والحكومة المؤقتة وباقي القوى السياسية من أحزاب وجماعات لتنشغل بتفاصيل العمل السياسي القائمة على وعود المجتمع الدولي الكاذبة على مدى اكثر ست سنوات وتبتعد كثيراً عن هموم الناس ومعاناتهم في الداخل وبالأخص في مناطق سيطرة تنظيم الدولة (داعش) وما يفعله من قتل وذبح وتهجير وتجويع والأخطر من ذلك كله تربية جيل من الأطفال والشباب على الكراهية والعنف.

ومن أهم الأسباب التي دفعت كثير من الناس للإلتحاق بهذه التنظيمات الجهادية هي حالة اليأس والإحباط الناتجة عن تخاذل المجتمع الدولي عن نصرة الشعب السوري المظلوم وثورته المطالبة بالحرية والكرامة.

أن من أهم التحديات التي يجب العمل عليها هو التحدي الفكري والثقافي الذي تراهن عليه هذه التيارات من خلال الخطاب الإيديولوجي التعبوي واستخدام كل المنابر والمواقع المتاحة له وعلى رأسها مواقع الإنترنت.

وينتج عن هذا التحدي التركيز من قبل القوى الثورية على القيم الإنسانية والوطنية التي تكفر بها هذه التيارات الجهادية

  • التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة ونبذ كل الهويات الأخرى التي مزقت النسيج الاجتماعي السوري
  • العمل على صياغة خطاب ديني تحرري وعقلاني يؤسس لثقافة التعدد الفكري والسياسي والسعي في المستقبل للخلاص من صيغ الجمود والمحافظة والتقليد التي أنتجت كل هذه النماذج المتخلفة.
  • وهناك التحديات الاقتصادية والمعيشية وحالات الفقر والبطالة في المناطق المحررة أو في مخيمات النزوح واللجوء وإيجاد حلول ووضع خطط اقتصادية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لأن المخاوف تزداد من حدوث اختراقات أكبر وأوضح في النسيج الاجتماعي لمصلحة أفكار السلفية الجهادية التي تتبناها – القاعدة وداعش وأخواتها – في ظل تفاقم الظروف المعيشية الصعبة.
  • ويجب العمل على الصعيد السياسي والعسكري والأمني في كل المحافل الدولية للخلاص من أصل المشكلة ومنبع الإرهاب المتمثل بالنظام السوري الذي أوجد كل مظاهر الإرهاب والتطرف في الثورة

وأخيراً:

وبحسب الباحث محمد برهومة في مقاله عن صعود السلفية الجهادية ان : ( التدين الخشن المغلق المسلح بالعنف و الإقصاء كان عاملاً –إلى جانب العامل الأساسي بالطبع وهو بطش النظام السوري ودمويته – مانعاً لنجاح الثورة السورية , كان المفروض أمام ضريبة الدم الباهضة واللجوء و التشريد لمئات آلاف السوريين , أن تنهض حالة وطنية تتجه من ضمن ما تتجه إليه ,  تبني تصور جديد لنظام التدين , يتم فيه التخلص من المكونات التدينية التي تشكل منبعاً للهزيمة أمام البطش و الاستبداد ومعوقا أمام النهوض و التقدم هذه الحالة على النقيض من الفهم الشعبي الراسخ و الشائع الذي يحيل أسباب الهزائم إلى التقصير بحق الدين)

[i] – محمد أبو رمان ,2016 , (الصراع على السلفية ) : قراءة في الإيدلوجيا و الخلافات وخارطة الانتشار ) , الشبكة العربية للأبحاث و النشر – الأردن

[ii] – حمزة مصطفى , خريف 2016 , ( الدولة الإسلامية و الجهاد في زمن الحداثة قراءة في المفاهيم و الدولة المعاصرة ) , مجلة ( تبين ) , العدد 18/5 ص 146

[iii] – حمزة مصطفى , نفس المصدر السابق , العدد 18/5 ص 146-147

[iv] – عبد الرحمن الحاج : السلفية و السلفيون في سوريا : من الإصلاح إلى الجهاد , مركز الجزيرة للدراسات , 26-5-2013

[v] – محمد أبو رمان , السلفية في المشرق العربي , في : عبد الغني عماد ( إشراف ) , الحركات الإسلامية في الوطن العربي ج 2 ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 2013 ) ص 1160 .

[vi] – محمد جمال باروت , سوريا : أصول وتعرجات الصراع بين المدرستين التقليدية و الردايكالية في : محمد جمال باروت وفيصل دراج ( محرران ) , الأحزاب و الحركات و الجماعات الإسلامية , مجلد 1 ( دمشق : المركز العربي للدراسات الإستراتيجية 2006 ) ص 269

[vii] – عبد الله حنا , السياسة و العنف ومحركهما ( الأصفر الرنان ) , موقع كلنا شركاء

[viii] – محمد برهومة , عوامل صعود السلفية الجهادية في بلاد الشام

[ix] – عبد الرحمن الحاج : المصدر نفسه

[x] – د. أكرم حجازي ,  رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية ,شبكة فلسطين للحوار  https://www.paldf.net

[xi] – عبد الرحمن الحاج : المصدر نفسه

[xii] – سلفيو سوريا و الثورة , علي العبد الله , صحيفة الجمهورية , 12 ديسمبر 2013

[xiii] – حميد دباشي , ثورات الحرية العربية تعيد صياغة مفهوم الديمقراطية , موقع قنطرة : http://ar.qantara.de/node/2804

[xiv] – عبد الرحمن الحاج : المصدر نفسه

[xv] – علي العبد الله : المصدر نفسه

[xvi] – حمزة مصطفى , جبهة النصرة لأهل الشام : من التأسيس إلى الإنقسام , سلسلة : دراسات ( سياسات عربية ) , العدد 5 , تشرين الثاني / نوفمبر 2013 , ص 63-75

[xvii] – حمزة مصطفى : المصدر نفسه .

محمد الشوا 

مواضيع متعلقة

اترك رداً