لماذا انهارت داعش ؟؟

img

شهد العام 2014 صعودا سريعاً ومفاجئاً _لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق _والذي أصبح فيما بعد الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف اصطلاحاً (داعش)  , هذا الصعود المفاجئ تمثل بالسيطرة على الموصل إحدى أكبر المدن العراقية وعلى أجزاء كبيرة من العراق والتمدد باتجاه سوريا , والسيطرة على مساحات واسعة منها محافظات كاملة كالرقة ومحافظات تكاد تكون محررة بشكل كامل من نظام الأسد كدير الزور وكذلك أجزاء من محافظات إدلب وحلب والحسكة وحماة وحمص , حيث ابتلع خلال فترة قصيرة الجغرافية السورية والعراقية التي سيطر فيها على الأنبار بمدنها وعلى مناطق شاسعة من غربي العراق وجنوبه الغربي …

هذه السيطرة لم تكن وليدة اللحظة إنما جاءت نتيجة لتراكمات كبرى أصابت الحياة السياسية والاجتماعية في البلدين , ففي الوضع السوري كان لانطلاق الثورة السورية و ما قام به الجيش الحر من تحرير مساحات واسعة من الأرض السورية على حساب تراجع النظام السوري وانتشار الفكر السلفي الجهادي وغياب تأمين الحدود والرغبة الجامحة لدى المجتمع السوري بالخلاص من بشار الأسد مهما كان الثمن وظهور الكتائب والتنظيمات الاسلامية مثل الفاروق وأحرار الشام ومن ثم دخول جبهة النصرة ذراع داعش الممتد من العراق , هذه الأرضية الجاهزة إضافة لتنامي الفكر الجهادي جعل من وجود داعش أمراً سهلاً وميسراً كذلك كان للعلاقات الاجتماعية وصلات القربى بين عشائر سوريا والعراق دور كبير في تنامي وجود داعش في المنطقة , بالإضافة لعوامل تتعلق برغبة الدول الإقليمية بالاستثمار في الملف السوري بشكل أو بآخر فقامت بدعم فصائل بايع معظم مقاتليها تنظيم  داعش كلواء داوود وجبهة النصرة في عدة مناطق مثل البوكمال كانت هذه الفصائل مدعومة من تركيا وقطر والسعودية كما دعمت دول أخرى  التنظيم بشكل مباشر عبر تسهيلات لوجستية من أجل مصالح مختلفة تتعلق بأمنها القومي ومصالحها العليا ….

سيطرة داعش السريعة على مساحة جغرافية واسعة كان يسيطر عليها الجيش الحر تم بسرعة لعوامل تتعلق بتوقف الدعم عن الجيش الحر وكذلك بالإرهاق الذي وصل إليه مقاتلوه بعد 3 سنوات من القتال ضد النظام فقامت بالتغلغل ضمن صفوفه وصفوف التنظيمات الأخرى خاصة الإسلامية منها ,كأحرار الشام وجبهة النصرة حيث تم اغتيال العديد من قادته الميدانيين والشخصيات المؤثرة فيها وهو ما تسبب لاحقاً في الصدام بين الجبهة وأحرار الشام من جهة وتنظيم داعش من جهة أخرى انتهت بسيطرة داعش على حقول النفط التي أمنت لها دعم وموارد مادية تدعم استمرارها لمدة أطول في حال تم تجفيف منابع الدعم الخارجية لها ….

بعد هذه السيطرة السريعة والتوسع الأفقي للتنظيم على حساب الحواضن الشعبية الرافضة أصلاً لوجوده جعل من الانكماش سريعاً أيضاً فما هي العوامل الاساسية لانهيار التنظيم مؤخراً خاصة في دير الزور ومحيطها

هناك عدة عوامل لهذا الانهيار أهمها الرغبة الجادة من الدول الكبرى بإنهاء وجود التنظيم مما أدى لمشاركة فعلية في الحرب عليه من قبل الأمريكان والتحالف الذي شكلوه , ثانياً الرغبة الروسية في العودة بقوة للساحة الدولية من خلال ما سمي الحرب على الإرهاب ….

هذه الحرب التي سارت بنسقين متوازيين في سوريا والعراق والتي شملت إضافة للعمليات لعسكرية العمل على تجفيف منابع الدعم المادي واللوجستي وكذلك منع تسلل المقاتلين عبر الحدود , والأهم هو عمليات استهداف الشخصيات المؤثرة فيه فكان مقتل الشيشاني والعدناني وغيرهم من قيادات الصف الأول , والاستراتيجية التي اتبعها التحالف والروس ادت غرضها في معارك الموصل والرقة لكنها حولت تلك المدن إلى أنقاض من خلال الاستخدام المفرط للقوة خاصة قذائف الطيران والصواريخ الموجهة عن بعد وكانت الخسائر في أرواح المدنبين والبنية التحتية  كبيرة جداً بل وكارثية أدت لموجات نزوح كبيرة بين صفوف المدنيين……

الخسائر الكبرى التي تلقاها التنظيم في الموصل والعراق جعلت الكثير يتوقع أن معركة دير الزور ستكون الحاسمة وأنها ستكون الأطول والأعنف لأنها الأخيرة للتنظيم على الأرض السورية باستثناء مناطق وجيوب صغيرة متبقية لكن الذي حصل أن التنظيم تراجع بشكل سريع في دير الزور خلال أيام من انطلاق العمليات العسكرية فيها وبشكل غير متوقع

فلماذا هذا الانهيار السريع في دير الزور

يعود هذا الانهيار لأسباب عديدة أهمها

أن تنظيم داعش فشل في إيجاد حاضنة شعبية له فيها وذلك بسبب اعتماده على أشخاص لا يملكون سلطة حقيقية على الأرض أو قبول إجتماعي (منبوذين أو لم يكن لهم دور اجتماعي  سابق ) مما  جعلهم يلجأون لسياسة القوة والترغيب والاعتماد على الترهيب والتهديد وهو ما زاد النفور من التنظيم والحقد عليه , وبالتالي تآكل الحاضنة الفقيرة أصلاً . كذلك سياسة ضرب العشائر بعضها البعض عن طريق إصداراته التي أوكل تنفيذها لأشخاص من قبائل متنافسة ينفذون حكم الإعدام بأقرانهم من تلك القبائل والعشائر , الأهم هو حالة التشتت والضياع التي عاشها التنظيم بعد خروج معظم قادته الفعليين من الهيكل التنظيمي للتنظيم , والذين إما تمت تصفيتهم أو خطفهم ومن المعلوم أن التنظيم يتبع سياسة هرمية في هيلكه التنظيمي تبدأ من القمة ويتم حصر المعرفة الشخصية بالقادة بعدد معين من الأشخاص وبمجرد انقطاع تلك السلسلة تتوه تلك القاعدة وينقطع ارتباطها بالحلقة الأعلى , خاصة بعد إنهيار الماكنة الاعلامية للتنظيم مما جعله يعتمد على قادة محليين  اعتمدوا على الارتجال في قراراتهم , كذلك النقل السريع للمقاتلين وزجهم في معارك لا يعرفون طبيعة الارض التي يقاتلون عليها خاصة أن أغلبها مناطق مفتوحة لا يجيد التنظيم القتال فيها بوجود الطيران الذي يستهدف أرتالهم كذلك كان لسياسة تقطيع اوصال المنطقة أثر فعال في تحديد حركة التنظيم وتنقلاته وبالتالي الحد من طرق الإمداد والدعم اللوجستي للتنظيم وكذلك خروج حقول النفط عن الخدمة مما حرمه من أهم وسائل دعم اقتصاده العسكري كذلك الخلاف بين قادته المحللين والمهاجرين وكثرة تبديل القادة العسكريين , وانهيار القدرة على التواصل بعد تفكيك حلقات التواصل التي يعتمدها التنظيم والذي يعمد الشكل الهرمي فيها .

فعلاقة عناصر التنظيم بعضهم البعض تتبع شكلاً هرمياً (فالخليفة ) لا تعرفه سوى دائرة ضيقة ومقربة منه وكذلك كل قائد أو والي وبالتالي انهيار تلك الدائرة أو تصفيتها يجعل الاتصال صعباً جداً ويفقد التنظيم المصداقية فالانتقال من حلقة أعلى لأدنى أو العكس يحتاج لسلسلة من المعارف وهو ما تم انفراط عقده بمقتل العديد من القادة مما جعل تلقي الأوامر ووضع الاستراتيجيات أمر بالغ الصعوبة , هذا التخبط في التواصل جعل الاعتماد أكثر على  القادة المحليين أو قادة الأقسام الاصغر وبالتالي فتح باب الاجتهاد لديهم مما جعل التخبط وعدم التنظيم السمة البارزة لمعاركه الأخيرة كذلك عدم القناعة الفكرية وربط مبايعة التنظيم سابقاً بأسباب بعيدة عن الارتباط بعقيدة التنظيم لدى البعض سببت نوعاً من اليأس عند أولئك المبايعين فحاولوا الهروب أو إيجاد طرق أخرى لكي ينأوا بأنفسهم مما وقعوا فيه , كذلك فمحاور العمليات وعلى جهتي النهر شمالاً وجنوباً ومن قوتين من القوى الكبرى تتبع كل منهما استراتيجية مختلفة جعلت عناصر وقادة التنظيم مشتتين بين عدة جبهات واستراتيجيات ..

ففي حين اتبع التحالف ممثلاً بالأمريكان وقوتهم المدعومة على الأرض الممثلة بقوات سوريا الديموقراطية (قسد ) ومن يقاتل معها من أبناء المنطقة سياسة السيطرة على طرق الإمداد وحقول النفط والغاز وتجنب دخول المدن وحربها الذي يجيده التنظيم ومن ثم حصارها وعزلها واسقاطها بشكل سريع وسياسة الإنزالات واغتيال القادة والإعتماد على العملاء الذين أخرجهم التحالف من صفوف التنظيم …

على العكس تماماً فقد اعتمد الروس ومن يدعمونهم من قوى على الأرض على سياسة الأرض المحروقة حيث تم قصف المناطق المستهدفة بمئات القنابل والصواريخ من أجل تفريغها من أهلها ومن ثم دخولها وقد اعتمد في دخولها على عناصر في غالبيتهم من ابناء المنقطة نفسها أو من خدموا فيها  لأسباب تتعلق بمعرفتهم للأرض ورغبتهم في العودة للمناطق التي أخرجوا منها وبالتالي استغلال حالة الحقد التي يحملها أولئك العناصر ضد تلك المناطق وأهلها ,

هذا جزء من أسباب تراجع وإنهيار التنظيم السريع في ديرالزور لكن قد تحمل المعارك القادمة مفاجآت تتمثل بعودة تلاحم العناصر المحلية والتي بايعت التنظيم من أجل مقاتلة النظام فقط أي بقيت في مناطقها لمقاتلة النظام , هذه العناصر قد تبدأ بتنظيم نفسها مجدداً وتقود حرباً تشبه حرب العصابات ضد من تراهم محتلين جدد قد ترهقهم وتتسبب بخسائر كبرى لهم خاصة أنها ستحظى بدعم شعبي ترى فيه تكفيراً عن سيئاتها التي ارتكبتها بمبايعة التنظيم …

فراس علاوي

مواضيع متعلقة

اترك رداً