الأكراد .. بين تهميش الأسد وانتصار الهوية

img

يقطن الأكراد في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا ويتوزعون بشكل كبير في الحسكة التي يشكلون غالبية سكانها فهم مع ذلك أقلية تصل نسبتهم من 13% بالمئة من سكان البلاد وكغيرهم من السوريين الذين عانوا من حزب البعث الذي لم يعترف بهويتهم إذ منعهم من أبسط حقوقهم حتى من تسمية أبنائهم  بأسماء كردية ففي السابق كان على الكردي قبل أن يسمي أولاده تتحول الأسماء الى كافة الأفرع الأمنية لكي تأتي الموافقة أو الرفض .
وفي عهد بشار الأسد الذي أصدر المرسوم (48) حيث سن بأن كل المناطق الكردية مناطق عسكرية، ولا يحق للوالد أن يورث أولاده من ممتلكاته ناهيك عن الاضطهاد الذي كان يتعرض له الكردي وتعريب الأسماء الكردية والمناطق الكردية أيضاً ومنه منع التكلم أو تعلم اللغة الكردية  إضافة إلى سياسة التغيير الديموغرافي التي انتهجها النظام وكذلك عدم منح الجنسية لأعداد كبيرة منهم وعدم الاحتفال بعيدهم القومي (النيروز) إلا برخصة من أفرع الأمن ومنع الكتب والصحف الكردية والعربية التي لها مساس بهويتهم .

وعلى هامش هذه السردية يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في وصف حالهم

“ليس للكردي إلا الريح”

شارك الكرد منذ تأسيس الدولة السورية ووقفوا مع مكونات وأطياف الشعب السوري في ثوراته وقاموا بالتصدي مع الشعب للاستعمار الفرنسي وقدموا التضحيات من أجل حصول سوريا على الاستقلال.

وما أن استقرت الأحوال في سوريا حتى بدأ النظام وتحديداً في فترة حكم آل الأسد بسياسة التمييز القومي تجاه الأكراد.

وعلى الرغم من القمع والضغط والتنكيل فقد بقوا محافظين على هويتهم التي تفتقر للعلن وهكذا في 12\  من آذار عام 2004 وتحديداً في ملعب مدينة القامشلي حصل ما يسمى انتفاضة حيث بدأت الأحداث بعد مناوشات بين مشجعي فريق الفتوة والمشجعين الكرد لفريق الجهاد وامتدت هذه الانتفاضة الى المدن  الكردية الأخرى حيث وصل عدد الشهداء الكرد الى 50 شهيدا وأكثر من 3000 معتقل بالإضافة إلى مئات الجرحى .

تجدد ذلك التوتر في عام 2008 ليعيد النظام الكرّة ويقوم بقمعهم ولكن كان من تداعيات تلك الأحداث بأنها أعطت صورة واضحة بأن الكرد في سوريا وفي أماكن تجمعهم هم يد واحدة وكلمة واحدة تحركوا خلال لحظة واحدة .

لم تتغير مطالبهم فمنذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011 بدأت الأمور تأخذ منحى آخر حيث انضم الكرد للثورة السورية في كوباني وعامودا ليقوم بشار الأسد بإصدار قانون التجنيس لضمان عدم التحاقهم بالثورة السورية لكن محاولته في كسب ود الأكراد باءت  بالفشل فخرجوا بمظاهرات ضد النظام يهتفون بشعارات ومنها “لا نريد جنسية نحن بدنا حرية ” لكنهم بقوا بعيدين عن العمل المسلح ضد النظام في بداية الأمر إلا أن قاموا بتشكيل وحدات حماية الشعب في عام 2013 ؛ ومن أجل تحييد الخصوم بدأ النظام لقاءاته مع ممثلين  عن الأكراد  وقدم وعوداً لهم بحكم ذاتي ليبقيهم بجانبه فهو يظن كما تحدث في بداية الثورة بأن الجيش السوري سوف يسيطر على كل المناطق ولا يستطيع أحد أن يتحرك إلا بإمرته ولكن سوريا المركزية التي يطمح على تثبيتها وإبقائها نظام الأسد انتهت ولأن النظام غير قادر على إدارة نفسه اصلاً لا سياسياً ولا عسكرياً بعد أن بدأ يخسر مناطق تلو المناطق ولا يمكنه أن ينكر وجود القوات المساندة له سواء كانت لبنانية أو إيرانية أو روسيا بدورها الفعال الذي ساند النظام الى الآن واحتمالية تخلي الحلفاء عنه في لحظة ما .

ولكن قوات سوريا الديمقراطية والأكراد وضعت خطوط حمراء للنظام لا يمكنه تجاوزها فقد حاول ذلك في مدينة القامشلي وتلقى الضربة القاسية وأيضاً حاول في الحسكة ومحيط مدينة الرقة وتلقى تصديات كبيرة من قبل هذه التشكيلات المسلحة .

وفي مدينة الرقة فالنظام لم يتحرك لقتال تنظيم داعش الإرهابي إلا بعد أن تقدمت هذه القوات إليها ؛ اما اليوم تطورت الأحداث ليدخل الأكراد في صراع مسلح ضد تنظيم داعش الذي سيطر على عدة مناطق كردية وخاصة في محيط بلدة عين العرب كوباني ولكنهم استمروا بقتال محتدم  وبدعم من التحالف الدولي دام لعدة أشهر ليستعيدوا تلك البلدة .

ليبدأو بالمطالبة بدولتهم المستقلة والتي لطالما حلموا بها منذ مطلع القرن العشرين حتى يأتي تصريح بشار الأسد لصحيفة الأخبار اللبنانية قائلاً:  نحن قمنا منذ بداية الأزمة بمنح مئة ألف كردي الجنسية السورية وسمحنا بتدريس اللغة الكردية لكن الاعتراف بحقوقهم دستورياً سيسهم في “تفتيت البلد” وأيضاً أضاف أن الأمريكيين يستخدمون الورقة الكردية في دعم المخططات الفدرالية اللامركزية وإن هذه الورقة ليست صالحة للاستخدام لأن المنطقة الأكبر لتجمع الأكراد هي الحسكة وهم لا يشكلون سوى 36% من سكانها.

لكن الأكراد والذي يقدر عددهم نحو 3 ملايين جاء ردهم على الأسد:

– عندما يمنح الأسد مئة ألف كردي الجنسية فماذا عن ماتبقى .

– وفي قوله أن الأمريكان يستخدمون الورقة الكردية لدعم المخططات الفدرالية اللامركزية فماذا نقول عن روسيا التي تدعم نظامه حتى هذه اللحظة.

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه في قوله أن نسبة الاكراد هي 36% ولا يعترف بالأكراد بأي شكل من الأشكال ! فلماذا يعترف بطائفته وحقوقها  والتي لا تشكل سوى 7% من الشعب السوري .

تصريحات الأسد لم توقف الأكراد عن اصرارهم لتحقيق حلمهم والاعتراف بحقوقهم وإقامة دولة مستقلة فهم اليوم يقاتلون في سوريا والعراق ضد تنظيم داعش تحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية واثبتوا جدارة في قتال تنظيم داعش.

وقبل سقوط مدينة الرقة السورية ذات الغالبية العربية ومع بداية إعلان قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل حزب ال  YPG عمودها الفقري  وهو حزب كردي يحمل طابعاً عسكرياً ,أعلنوا في 24\9\2017  مجلس ديرالزور المدني خلال اجتماع في بلدة أبو خشب الواقعة شمال دير الزور بهدف إدارة المحافظة بعد السيطرة عليها ولفت البيان أنه لا مستقبل للتنظيمات الإرهابية ولا لنظام الاسد في المنطقة معتبرين أن الضمان الأساسي هو بناء نظام ديمقراطي تعددي سياسي لا مركزي.

واعداً أن المجلس سيتكفل بإدارة المحافظة بعد السيطرة عليها إضافة لكونه معنياً بكل ما يخص دير الزور منذ لحظة إعلانه.

وبالتزامن مع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مساحات واسعة من خط الجزيرة غرب نهر الفرات والسيطرة على أكبر حقلين للنفط وهما العمر والتنك ومعمل الغاز كونيكو وقطع الطريق أمام نظام الأسد بالسيطرة على كامل محافظة دير الزور ومنطقة الجزيرة الغنية بالحقول النفطية والتي لطالما لهث نظام الأسد نحوها.
يبقى السؤال هل سيستمر الحال على ما هو عليه بسيطرة قسد على منطقة الجزيرة وسيطرة النظام على منطقة الشامية أم ستشهد دير الزور صدام عسكري بين قوات الأسد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الأيام القادمة ؟

سعد الحاج

مواضيع متعلقة

اترك رداً