الشرق السوري | لا تجعلوا لموتي ضجة .. الموت هو الموت نفس الألم ونفس الغصة والحرقة في قلوب الأحبة وفي قلوب م..

لا تجعلوا لموتي ضجة

img

الموت هو الموت نفس الألم ونفس الغصة والحرقة في قلوب الأحبة وفي قلوب من حول الميت , الموت منقذ من جحيم الحياة وطوق النجاة من حقد الذين ساءهم وجوده في الحياة وساءهم نجاحه. الموت قبل سنين الحرب كان حدثاً مؤلماً تنوح النائحات طويلاً وتُشَق الأثواب ,وأغلب الموتى ممن شاب منهم الشعر ونخرت عظامهم وهم أحياءً ,كانت الذبائح تذبح طوال أيام العزاء وبعد الأربعينية ,لا تلفاز يصدح ولا غناء يلتزم الجيران بهذه العادات ويلبس السواد عند أهل الميت ,ولا غسيل يغسل أو ينشر .كان موت الشايب يؤلم الأطفال حيث لا ثياب للعيد القادم ولا حلوى . وموت الشاب وما أدراك ما موت الشاب كان فجيعة تضرب القرية بأكملها ,حيث ترى الوجوه واجمة مكفهرة , وكأن الشاب أبن لكل أم وأخ لكل فتى , الحزن كان يطول ولم يكن الزمن كافٍ ليجعل الناس أن تنساه . مازلت أذكر أخي ذو الثانية عشرة , عندما أتعبنا فقدانه طوالاً ولم تكن سنين الحرب كلها بما حملت لنا من مآسي وتشرد ولجوء أن تنسينا إياه .مازال مثل غصة تخنق الفرحة كلما أرادت أن تعلو شفاهنا . بعد سبع سنين من الموت لا زال الموت هو الموت , لكن عتبة الألم ارتفعت ما عاد المسن وموته يعصف بنا أو يؤلمنا , لم يعد هنالك شيء سوى مراسم دفن وتراتيل وبعض عبارات المواساة التي تقال من الشفاه ولا تخرج من القلوب الشاحبة. صار الموت خبراً عادياً لا يتوقف البعض عنده وصرنا مجرد أرقام وإحصاءات كانت في البداية عناوين عريضة وتتصد النشرات الإخبارية ومن بعدها أخباراً ثانوية ومن ثم تلاشت مع الكثير من الموتى ومع الكثير من القتلة الذي اجتمعوا علينا وذبحونا بصمت في الشرق الحزين . ضاقت المقابر وتاهت رؤوس الموتى عن القبلة ,الكثير ممن يموتون لا قبر لهم سوا أنقاض بيوتهم ولا أكفان سوا ستائره , الكثير لا نسمع بهم ولا بمكان موتهم ولا لماذا قتلوا وفيما قتلوا , وهل كان الموت مؤلم أم كان ملاك الموت بهم أرحم من قاتليهم , كثر ممن رحلوا لله أفواجا وأكثر هي العائلات التي رحلت سوية , حيث لا ألم ولا غصة ولا حرقة دنيوية عليهم ولا دمعة . في الشرق يغص الموت بالموت وتختلط الدماء والأشلاء , يغض الطرف عليهم ووفي الوقت الذي يخرج للعلن , تكثر المبررات لقتلنا . يتسابقون ويحثون الخطى نحو مدننا , لا لشيء سوا أن يزرعوا الموت ويحصدوا نفطاً, لا لشيء سوا ليقدموننا قرابين للموت وأغلب الظن عندهم بأن الموت سيتناساهم وسيغفل عنهم . والبعض ممن هم ذوي حظ وحظوة عند الموت سيضج الموت بهم ويضجون به ويضج الناس بموتهم ,سيذكرون لأيام وأيام بعد موتهم وستضج بهم وبأخبارهم الوكالات والقنوات وما يلبث الموت أن يمارس هوايته بالنسيان . البعض ممن يضج الموت بهم , يضيق الناس ذرعاً ويحسدونهم بهذا الضجيج ويحسدونهم لأن موتهم معلوم وسببه معلوم وقبرهم معلوم ولان هنالك من بكى وصلى ونال القلب بفراقهم أسى .

ليث شعبان

مواضيع متعلقة

اترك رداً