حزام ناسف

img

“مبدأه بسيط ومفعوله قوي جداً مع بضع غرامات من الC4 وصاعق قنبلة يدوية وبضعة أسلاك نحاسية وحزام قطني متين بتكلفة لا تزيد عن المئة دولار أمريكي ,هذا هو سلاحي ,هذا هو الحزام الناسف ,كافٍ أن يرسلني للنعيم ويرسل المرتدين للجحيم ”

مضت أربعِ سنوات و مازالت تلك الكلمات التي سمعتها من ذلك التونسي تدور في مخيلتي وكأني سمعتها للتو .

وجوه غريبة وضجيج سلاح كان يطغى على صوت الباعة في سوق الأتارب الشعبي  مطلع العام 2013 , ناهيك عن كم كبير من النساء موشحات بالسواد وعلى أكتافهن أسلحة الكلاشنكوف في منظر لم نعتده البتة يجبن السوق ذهاباً وإياباً لبث الرعب والرهبة في نفوس العامة  و رجال من كل أصقاع الأرض ضخام الجثث شعث مغبرين وكأنما تعمدوا الظهور بتلك المناظر وكأنهم يتنافسون اكتساب مناظر مرعبة .

كل شيء غريب وخارج عن المعتاد لكنه قريباً سيصبح مألوفا .وذلك الحزام لم يرق لي ولا لغيري البتة ,في طريقي كنت أتحاشى معظم عناصر التنظيم الذين يرتدونه ,كان أمراً مرعباً مجنوناً , كون معظم مقاتليه من الصبية والمراهقين ولا رادع عنده ولا عقل يثنيه عن تفجير نفسه بالعوام , كيف لا وهو الذي سيذهب للنعيم , مسكين ذلك الفتى لو كان ذلك الحزام حقاً مفتاحاً للنعيم ما أعطوك إياه  لكنه حتماً مفتاح لسلطتهم وملكهم وجاههم .

يكتظ ذلك المقهى الذي أملكه بمخاوفي وبهم وبأحزمتهم الناسفة التي لا تبرح أخصرتهم, لا أدري لماذا ذلك الإصرار المجنون على ارتدائها الدائم بالرغم من أنهم في معقلهم وبالقرب من مقرهم الدائم , لربما يخشون الأسر أو الخطف المفاجئ ,فهم وحسب مزاعمهم جاءوا لنصرتنا وتطبيق شرع الله فينا ومع ذلك لا يأمنون لنا جانب .

كانوا يقضون معظم فراغهم في المقهى يحدثون أصدقائهم يحاولون إقناعهم بالهجرة إلى أرض الجهاد ,من حديثهم تشعر وكأنهم يتحدثون عن أرض السمن والعسل ,عن جنة الدنيا ” كل حاجة رخيصة برشا”بهذه الكلمات يخاطب صديقه ويحثه على القدوم ,بعد عدة أيام تراهم يذهبون للحدود القريبة لاستقبال صديقهم المهاجر الجديد الذي ولد من جديد وترك حياة الجاهلية وراء ظهره وما يلبث أن يتزين خصره بحزام ناسف من جديد .يبدو وكأنه مكمل لزيهم الجهادي ومكمل لمنظرهم بالجلباب الباكستاني القصير.

مازلت أذكر صباح تلك الجمعة ,عندما طافوا المدينة بسياراتهم بعد أن وضعوا على مقدمتها رؤوسا مقطوعة ,كان منظراً تنخلع له القلوب . الرأس مثبت بحبال في مقدمة السيارة والدماء مازالت تنزف من الرأس تختلط بصدأ الحديد . والحبال مشدود من على الفم وكأنهم يخشون كلامه وهو ميت ،  وكأنما هي إشارة لبداية عهد جديد من عهود تكميم الأفواه الشبيهة بعهد البعث.بعد الانتهاء من تلك الطقوس التي غدت منظراً مألوفاُ فيما بعد وكل يوم جمعه ,حاله حاله الصلاة .في ذلك اليوم وكأنما الأدرينالين قد أرتفع في رأس أحد العناصر حيث فجأة ارتفع صوته صراخا بالقرب مني مهدداً رئيس مخفر المدينة. كان رئيس المخفر  يسأله عن أمير التنظيم في المدينة  لأمر هام وللمناقشة بعد التجاوزات التي قام بها عناصر التنظيم , لكن ذلك الداعشي ما لبث أن أمسك صاعق حزامه الناسف وأرعد وأزبد مهدداً بتفجير نفسه ، جمد الدم في عروقي ,لقد كنت في المدى المجدي للحزام,ذلك المدى  الذي يؤهلني مباشرة للمعراج إلى النعيم ,لولا بعض العناصر من زملائه الذين سارعوا و أمسكوه وبطحوه أرضاً لكانت النهاية على يد هذا الطائش, لم أكن أريد النعيم الذي أختاره لي .

في نهاية عهدهم في مدينة الأتارب  كانوا وكأنهم قد فقدوا بوصلتهم ولم يؤدي الحزام الناسف المطلوب منه, لا الشعب أُرهب ولا الشباب التحقوا بالتنظيم , العناصر كانت مدركة تماماً بأن الصدام مع الشعب آتٍ لا محالة أذكر حديثي  مع ميدو المصري وكما كان يسمى نفسه قال لي محال أن أفجر نفسي ذات يوم بأناس مسلمين وأدخل الجحيم , لو أردت ذلك لبقيت في بلدي أعيش حياتي طولاً وعرضاً و فسقاً, أما هنا فقد أتيت لألقى ربي بعمل جيد ,أسعدني الكلام الذي سمعته من ذلك الشاب وأستدرك قائلاً وفي حال نشوب فتنة وقتال للمسلمين هنا سأفجر نفسي في أقرب حاجز مع عصابات النصيرية. لم يمضى على حديثي معه سوى أسبوع أو أقل عندما حاول تنظيم داعش السيطرة على مدينة الأتارب وريفها بالكامل ,عندها حدث هجوم على مكان يدعى حاجز المغسلة من قبل الدواعش حاولوا تفجير الحاجز بأحزمتهم الناسفة .تمكن عناصر الحاجز من قتل احدهم قبل وصوله  تبين لي فيما بعد بأنه ميدو المصري فجر نفسه قبل وصوله الحاجز وذهب وحيدا حيث أراد وحيث أختار.

يبدوا وأنه مهما بلغت العقول من صحوة , البعض ممن امتهن غسل العقول وتسيرها حسب المراد يأتي ويسوقها ويدير دفتها حسبما يشاء وكيفما أرادت مصلحته ومصلحة تنظيمه ,القليل من الترغيب والوعود الأخروية ,كافية لأن تفسد شبابنا علينا وتجعلهم بسهولة تزهق أرواحهم وأرواحنا وتضيع علينا أوطاننا وتجلب الخراب علينا  .

ليث شعبان

مواضيع متعلقة

اترك رداً