ضرورة التنوير قبل التثوير

img

لقد تكلم فقيه الحرية وشهيدها عبد الرحمن الكواكبي في كتابه القيم ” طبائع الاستبداد” أن الشعوب لا تتخلص من الظلم إلا إذا شعر غالبية الناس بآلام الظلم” و هذا الشعور ﻻ يأتي صدفة أو عفو الخاطر إنما يسبقه وعي بالذات والحقوق.

ويقول الأستاذ حسن جلال في كتابه ” الثورة الفرنسية” . ( إن الظلم في ذاته لايحدث الثورات وإنما الإحساس بالظلم ) ولقد توفرت لفرنسا طائفة من الفلاسفة والكتاب الذين تمكنوا بكتاباتهم من خلق هذا الإحساس ومن الأسئلة المصيرية التي اثارها الفلاسفة والمفكرون عن كيفية قيام الدول وعلاقة الحكام بالأمة وهل على الحكومات واجب حيال الأمة كما على الأمة واجبات حيال الحكومة وعن العدالة الاجتماعية وتداول السلطة والمشاركة السياسيةوالحقوق والحريات الأساسية .

إن هذا الطرح أسس لما بعده من وعي ثوري لتغيير الحالة السياسيةوالمنظومة الاجتماعية و الاقتصادية القائمة على ثقافة الاستبداد والاستعباد التي كان يسيطر عليها الملوك والبابوات الذين احتكروا الثروة والسلطة وتمثيل السماء من خلال نظرية ( التفويض الإلهي) وما ترتب عليها من مصالح متبادلة بين السلطة الزمنية والروحية فنتج عنها ثالوث مخيف يهدد الوجود الإنساني برمته في أي  أمة ألا وهو “الجهل و الفقر و الاستبداد ” و بفضل جهود نخبة من العلماء والمفكرين والفلاسفة والمصلحين الدينيين انتقلت أوربا من عصور الظلام إلى عصر التنوير والعلم واحترام العقل بعد ثورة فكرية أحدثت انقلابا في المفاهيم السائدة التي صنعتها منظومة الاستبداد الديني والسياسي .

ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تأثر المشرق العربي وبالأخص مصر وبلاد الشام بالمبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية والأفكار النهضوية التي رسختها في مجتمعاتها . من حرية الفكر والتدين إلى سيادة القانون واستقلال القضاء وتداول السلطة وإلى كل مفاهيم الدولة المدنية الحديثة ، وبحكم مشاعية التجارب والأفكار البشرية التي لا يحدها زمان ولامكان وصلت قيم التمدن والحداثة من الغرب إلى الشرق ليتشكل تيار إحيائي تنويري ،ابتداءً بالطهطاوي ومروراً بالافغاني ومحمد عبده وثلة من النهضويين في كل حقول المعرفة وميادين الحياة الدينية و المدنية كأمثال خير الدين التونسي وعبد الحميد بن باديس وأديب اسحق ويعقوب صروف والطاهر بن عاشور وآخرين كثر أسسوا لفكر إصلاحي تنويري يراعي الثوابت والأصول وينفتح على كل ما هو خير ونافع لأمته ومجتمعه والاستفادة من هذه الحضارة والثقافة الوافدة بشقيها العلمي المادي والفلسفي العقلاني لقد أكد رواد هذه المدرسة التنويرية على استعادة دور العقل ومكانته في الاجتهاد والتجديد والنقد والمراجعة في كل المناهج والحقول المعرفية والثقافية دينية ومدنية لينتقل هذا العقل من ظلامية التفكير وعبثيته المليئة بالأوهام والمتناقضات والأساطير والخرافات والمثقل بالمخرقات، هذا العقل المريض المكدود بما حمل و يحمل من تقاليد فكرية، إنه ذوب حمى، وعصارة تمويه خادع ، و رشح أباطيل انتظمها السراب. بحسب العلامة العلايلي رحمه الله.

ليدخل مرحلة التنوير والنور التي قال عنها القرآن الكريم : (آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد)

كأن عملية الإخراج من كل مظاهر الظلمات وأشكالها وصورها في حياة الإنسان والمجتمع هي علة الخطاب الإلهي الموجه إلى إمام المصلحين عليه الصلاة والسلام ، وكل من أراد الإصلاح في أي مجتمع بشري .

بل هو غائية الخطاب أيضا للوصول إلى النور بمعنى التنوير العقلي والمنهجي والسلوكي .

ربما كان اصلاحيو القرن التاسع عشر ونهضويوه العرب أشد ادراكا منا، نحن عرب اليوم، لمركزية المعرفة في أي رهان نهضوي – وتغيير ثوري شامل –

فانصرفوا إلى التعليم والمدرسة ونشر العلوم، والترجمة بأنها الحامل الوحيد لإمكانية التقدم.

بعد ما يزيد على مائة سنة من تلك الفكرة المستنيرة، ما زالت الأمية هي ” المعرفة ” السائدة .والنظام التعليمي في تقهقر مروع ،و حين تنتصر الأمية والتعليم المنحط ، ويغيب البحث العلمي، وينضم خريجو الجامعات والمعاهد العلياإلى قوافل العاطلين عن العمل ، سيهزم الاقتصاد الإنتاجي،  وستهزم التنمية،  والديمقراطية والوحدة وسائر المبادئ النهضوية.

وهي عينها الهزيمة التي تأخذ بحاضرنا ومصيرنا إلى الحتف! كمايقول المفكر المغربي عبد اﻵله بلقزيز.  ومن هنا أصبحنا نشعر وبعد سنوات من الربيع العربي وبعد كل ما جرى ويجري من قتل ودمار وتعذيب وتهجير وعلى وجه الخصوص في الثورة السورية وما آلت إليه الأمور بأننا كشعوب وحتى كنخب لم نكن مدركين لحقيقة الوضع الإقليمي والدولي فثرنا قبل أن نؤسس للوعي الثوري سياسياً وثقافياً واجتماعياً .

فدفعنا بقلة وعينا إلى خيارات تمثل حالة انتحار للثورة وتفكيك للمجتمع ودمار هائل ومرعب للدولة وتاريخها الحضاري والإنساني ، إن عسكرة الثورة كانت بداية للقضاء عليها . وهذامايؤكده المفكر الفلسطيني منير شفيق في كتابه

عن الثورات العربية يقول: ( من غير المسموح التعامل بالسلاح والثورة من دون تقدير صحيح للموقف العام ولاحتمالات تطورات المعادلة التي بدأت منها، لأنك هنا لا تتعامل مع خطأ يسهل تداركه بعد أن يقع و إنما هي حياة بشر ومستقبل بلاد لعشرات السنين . فاللجوء للسلاح يستخدم للإنتصار وليس للدفاع عن النفس ، كما هو شائع ، و ﻻ يجوز أن يسوغ بسبب الاضطرار أو يحمل الطرف المعادي مسؤوليته لأنه دفعك إليه دفعا . فالصبر هنا واحتمال الأذى أقل ضرراً لأن اللجوءإلى السلاح إذا لم يستخدم للإنتصار ، مع التأكيد من توفر شروطه ، يؤدي الى السحق والإبادة والخروج من المواجهة لعقود من السنين) .

وهذا رأي موفق للغاية وسديد لأنه يعبر عن رؤيا شمولية واستراتيجية لكل أبعاد الصراع داخلياً وخارجياً لأن القاعدة المعرفية تقول : “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ” . لذا فكان يجب علينا كمثقفين ودعاة إصلاح وحركات وجماعات وحتى منظمات مجتمع مدني لكي نواجه هذا القهرالسياسي والديني وسياسة التهميش والحرمان والتجويع أو كما يرى المفكر والأديب الكبير نجيب الكيلاني رحمه الله في كتابه “حول الدين والدولة”  ( بأن نضع على رأس أولوياتنا الموضوعات التي تعالج قضية الحرية وأهمها ” حرية الكلمة” التي تضيء الطريق وتسرع بالخطى إلى التقدم الحقيقي ، وتخلق الوعي المستنير ، وتحرك الفكر ، وتثير الوجدان ، وتصنع الإنسان المتحضر المتفتح … الكلمة الحرة تجعل من أفراد الأمة مواطنين شرفاء … قادة … كلهم قادة … وأعني بالقيادة ، شعور كل فرد بمسؤوليته الذاتية نحو أمته وقضاياها ، إنها ضرب من الإخلاص والحب وشعور بالمشاركة الفعلية في تحمل العبء ، فالعبيد يؤدون دورهم في الحياة ،إن رضوا أو سخطوا ، والأحرار يجدون دوافع سامية ، تشرق في قلوبهم وارواحهم ، وتملؤهم اعتزازا بأنهم حماة الوطن وتراثه ودينه … والكلمة الحرة ﻻ يخافها إلا المرضى والمتشككون والطغاة ، وﻻ يحاربها إلا منحرف ، والذين يرفضون الكلمة الحرة جبناء ، أو يشعرون بإثم خفي … ذلك الشعور بالإثم الذي يعمل في قلوب اللصوص  الكاذبين والمتآمرين ”

إن عشرات السنين -إذا تحدثنا التاريخ المعاصر – من تغيب الفرد والمجتمع في العالم العربي وعزلهما عن الشأن العام وعن الفاعلية الثقافية والسياسية كانت

كفيلة بخلق نمط من التفكير الفوضوي واللامسؤول والذي تغيب فيه الرؤية العاقلة والراشدة التي تسعى لحياة كريمة ومستقبل أفضل وفي هذا الجو السقيم والمليء بالعلل الفكرية والنفسية والسلوكية نشأ الفرد في المجتمعات العربية بعيداً عن حركة التنوير الفكري التي تمثل صمام الأمان لأي ثورة شعبيةأو نضال مجتمعي يتوق إلى( الحرية والعدالة والمساواة) وهذه هي مقومات التنوير ، والوعي بها والعمل من أجلها يضع المجتمع بكل قواه الحية في قلب المفهوم الثوري الساعي إلى تغيير النظام الاجتماعي والسياسي .

“ونظراً للطابع الاجتماعي والثقافي الغالب  على هذه الثورات فإن ما نطلق عليه ثقافة الديمقراطية لم تكن قد تغلغلت في جميع طبقات الشعب ولا استوعبتها اجياله العديدة بالقدر الكافي ولا مثلت عنصراً حاسماً في أفق تطلعاته ورغباته الأمر الذي جعل قطاعات عريضة منه تظهر أن مجرد تغيير رأس النظام كفيل وحده بتحقيق أحلامها المحبطة في رفع الظلم والتمكن من العيش بعدالة وكرامة إنسانية ، وعندما فوجئت بإستعصاء التحقيق العاجل لهذه الاهداف أصيبت بكثير من الإحباط ، فعمدت إلى الفوضى والعنف ، وأطفأت قدر من بريق  الثورة الخاطف” . د. صلاح فضل

إذن أصبح من الضروري إجراء مراجعة هادئة وموضوعية لحصاد هذه الثورات وفرز ثمارها وتصنيفها وفقاً للشروط المنهجية لمعنى الثورات ، لغرض التعرف بدقة بعيداً عن سراب الإعلام وصخبه وذلك من خلال صياغة معادلة يمكن من خلالها قياس مناسيب ما جرى وما يجري وأين استوفى مفهوم الثورة جوهره وشروطه .  علينا أن نميز بدقة الانفعالات الجماهيرية المكبوتة والتي تعبر عن

نفسها بايقونة ( الشعب يريد إسقاط النظام ) وبين إمكانية توظيف زخم هذه

اللحظات التاريخية لتحقيق قفزة نوعية ، حقيقية لتغيير قدر ومصير هذه الأمة وتهيئة الظروف اللازمة والمناسبة للتأسيس إلى مرحلة جديدة من الاستقلال

السياسي القائم على الاستقلال الاجتماعي والاقتصادي .

فرغم كل الانتكاسات التي حدثت في ثورات الربيع العربي بدأت بعض القوى الثورية وكثير من النخب المؤيدة للثورة بإعادة قراءة المشهد من جديد من خلال

كل المعطيات والتحولات الإقليمية والدولية للخروج بمقاربات واقعية يكون فيها

الرأي قبل شجاعة الشجعان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أ. محمد الشوا

مواضيع متعلقة

اترك رداً