سوريا والخيارات الصعبة

img

سوريا والخيارات الصعبة
لعل قدر الشعب السوري أن يعيش ثورة تختلف عن جميع المتغيرات السياسية في التاريخ , ليست ثورة لتغيير الواقع السياسي والاجتماعي في سوريا فقط إنما قد تكون بداية لتحقيق تغيير جوهري في السياسة الدولية والعلاقات الدولية والأقليمية وربما رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط والعالم…
ومنعطف كبير للأحداث في المنطقة تشبه ماحدث بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي وإنهيار جدار برلين , الخيارات التي فرضتها الوقائع على الأرض في ظل صراع دولي وإقليمي واضح على الأرض السورية …
هذا الصراع والذي حمل أجندات مختلفة حسب اللاعبين على الأرض جعل من مآلات الصراع غير واضحة ورؤية النهاية تكاد تكون معدومة في نهاية الأفق المظلم الذي دخلته الثورة …..
الثورة السورية تحولت إلى حرب مفتوحة تناوب عليها لاعبون محليون كحرب بالوكالة , حيث دعمت القوى المتصارعة فصائل مختلفة على الأرض سياسياً وعسكرياً …
وحرب مباشرة تمثلت بدخول القوى المتصارعة بشكل فعلي ومباشر على الأرض كالتدخل الأمريكي الروسي والإيراني والتركي على الأرض السورية والذي حول السوريين لمجرد شهود على ما يجري على أرضهم من أحداث …..
الأجندات المختلفة واختلاف المصالح هو من أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل الحسم سواء كان عسكرياً أو كما تدعي القوى العظمى سياسياً ,
هذه القوى التي تدخلت في سوريا لضمان مصالحها رأت أن الحل العسكري قد يغير كثيراً من الأمور على الأرض وبالتالي لا يحقق ما تريده هذه الدول
هذا الاختلاف في الرؤى خلق بيئة صالحة لظهور جماعات متطرفة استغلت الوضع الهش والحاضنة الاجتماعية التي بدأت ترى أن الجميع تخلى عنها وتركها تواجه مصيرها مع نظام غاشم استخدم القوة المفرطة في مواجهة شعبه المنادي والمتطلع للحرية ….
ضمن سياق هذا التدخل وصراع المصالح وتعقيد الحلول على الأرض دخلت سوريا في متاهات كبرى نستطيع تمييز ثلاث مآلات للحل فيها وذلك حسب مجريات الأمور على الأرض وهذه المآلات هي …
أولاً _في حال حدوث تغيير حقيقي على الأرض وانتصار القوى المؤيدة للثورة ولتطلعات الشعب السوري
خاصة قواه السياسية الحقيقية المؤيدة للثورة وقواه العسكرية ممثلة بالجيش الحر والذي غالبيته من أبناء سوريا , الذين تركوا النظام وانحازوا لقوى الثورة ومعه القوى المعتدلة انتصار هذه القوى هو الذي يضمن بقاء سوريا موحدة ومتجانسة بسبب الرؤية الثورية الواضحة التي تحملها الثورة ومكوناتها الأساسية والتي تعتمد على سوريا الموحدة الديموقراطية دولة القانون والمؤسسات ويبدو أن هذا الحل لايعتبر أولوية لدى القوى الدولية والإقليمية لأنه يتعارض مع مصالحها على الأرض وقد يؤهب لحدوث ارتدادات قد تطال الدول الاقليمية المحيطة وهذا ماجعل الخيار بعيداً عن دعمها ….

ثانياً _انتصار النظام والقوى المتحالفة معه والتي بمجملها قوى طائفية على شكل مليشيات لا تحمل أي فكر أو إستراتيجية بما يخص الحالة السورية , وإنما قدمت لأسباب طائفية بحتة وتحت ذرائع وحجج طائفية كالدفاع عن المقدسات , هذه القوى بما فيها النظام وداعميه بما فيهم الروس والإيرانيين لا يحملون مشروع حقيقي لسوريا الجديدة بل إن انتصار مشروعهم يعني تقسيم سوريا إلى دويلات ومناطق نفوذ لان انتصارهم لن يكون حاسم ونهائي وذلك بسبب بقاء القوى المناهضة لهم موجودة على الأرض وبذلك فإن أي تقدم أو انتصار سيكون جزئي وسيفضي إلى تقسيم سوريا…

ثالثاً_البقاء على حالة لا نصر ولا هزيمة وبقاء الحل العسكري والسياسي يراوح مكانه
هذا يفتح الباب لبقاء القوى الموجودة على الأرض خاصة المتطرفة منها والسيطرة على مناطق واسعة في البلاد من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها وبالتالي فرض أجندتها التي تريد من خلال تقسيم على الأرض ومشاريع فدرالية وإقامة دويلات وإمارات تفتت ماتبقى من سوريا المنهارة أصلاً بفعل الحرب الدائرة على أرضها , الخيار الأخير يسمح ببقاء جميع القوى الموجودة على الأرض بل والبحث عن تحقيق مكاسب جديدة وكذلك تسمح بالتدخل الخارجي أكثر فأكثر مما يفتح الطريق لحروب جانبية قد تستمر طويلاً ولتحقيق مطامع أقليمية وسياسات تخدم دول الجوار على حساب الحل السوري …

بقاء الأمر كما هو عليه الآن هو فاتورة يدفعها الشعب السوري من دماء أبناءه موتاً وتشويهاً وإعاقات
فأيامه هي من دم جيل كامل خسر كل شيء خسر حقه في التعليم وحقه في الأمان حقه في أن يحيى طفولة سوية
كغيره من أطفال العالم خسر فيه شبابه مستقبلهم ودراستهم الأكاديمية كذلك خسر حقه في بناء مجتمع إنساني حضاري في حرب فرضت عليه فرضاً
استبدل فيها مقعد الجامعة بكتف البندقية والوردة الجورية التي تهديها له حبيبته بقنبلة يدوية
سوريا القادمة هي كالسراب الذي يراه عطشُ الصحراء يراه قريباً وبارداً فيما هو بعيد بعيد

إن لم يعمل الجميع من أجل الخلاص فالقادم أخطر في ظل نظام متعنت قاتل دمر سوريا بشراً وحجراً
حتى تحولت إلى دولة فاشلة إقتصادياً وبنى تحتية وكوادر وكفاءات

هذه المستقبل المظلم ينتظر سوريا ما لم يعمل الجميع على الخروج من هذا النفق وهذه المسؤولية يتقاسمها الجميع
دولاً وحكومات دول جوار وقوى عظمى
لكن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق أهلها المنقسمين على أنفسهم فعلى الجميع وضع كل إنتماءاتهم وإثنياتهم وتحالفاتهم جانباً والنظر إلى سوريا كبلد واحد غير مقسم ولامجزأ
سوريا الدولة الحديثة الديموقراطية التي يحكمها القانون إذ لا سلطة فوقه سوريا لأبنائها الذين يحرصون عليها كما يحرصون على عودتها لألقها الذي حطمه الفساد وأطفئ نوره الإستبداد
رئيس التحرير
فراس علاوي

مواضيع متعلقة

اترك رداً