خمس دقائق ، قبل و بعد

img
مدونات الشرق 1

شاءت الأقدار أن أكون بين هذي الجموع .. قبل عدة ساعات كنت أخبر زوجتي بضرورة الوصول على الموعد
فعلينا أن نتخلى عن فوضويتنا بقضاء المواعيد و الوصول إليها
ما لبثت إلا قليلا في تحضير نفسي و بعض الحاجيات المهمة  ، التاريخ الثالث عشر من حزيران و الذي يصدف بعده ذكرى سقوط الحكم الملكي في فرنسا أو ما  يسمى ب ” يوم الباستيل ”
و الذي عرف بأنه سجن من أضخم سجون باريس .
تلاشت أفكاري عندما أخبرتني صديقة لنا بأنها ستخرج معنا لإحياء هذه الذكرى ، فنحن الشعوب العطشى للحرية المثقلون بآهات المعتقلين الواقفون على أطلال من خلوا بيننا
المولون شطر وجوهنا إلى الشرق
حيث ينبت الزيتون و القمح على شكل أبجديات يقرأها جدي في كتابه على ملأ سيباطه المتخم بالفتية و القصب النهري و أقمشة الخام على شكل ثوب يستر عورات هؤلاء الفتية ، نحن ممن يعبر الاشتياق فينا أسرع من كل أنواع الفيز و التأشيرات  و التشريعات و التصريحات و قرارات الموت العبثي ، نحن ممن ..
زوجي الساعة الآن التاسعة إلا ربع
قطعت كل سلاسلي ،
خلال بعض الوقت كنا وسط جمع من الفرنسيين و بعض الجنسيات .
كانت وجوهنا تدعوا الجميع أن يبهرونا باحتفالهم ، تتالت الموسيقى الكلاسيكية و الصاخبة و الرقص و لعب الأطفال و نحن لا نزداد إلا انبهارا و تعجبا ، لم يكن لدينا حديث سوى المقارنات و المفارقات
و حرف ” لو” السوري الذي تقاعد عنه الشيطان و لم يعد حتى يقوى العمل أو الحديث به
توقفت الموسيقى بعد رقصة شارك بها الجميع سوانا ،
فكنا قتلى على مقصلة الذاكرة
تجمعنا لغة واحدة تختلف بيوتنا و أعمالنا و يجمعنا ألم واحد ملقى على قارعة الحنين كلما هبت رياح الشرق انتفضنا سجائر تبغ و أقداح ذكريات .
ما هي إلا دقائق حتى هممنا في الخروج لكن قررت أن أخبر نائبة العمدة إني ذاهب و إنا استمتعنا في هذا الحفل الكريم ، ذهبت لأخبرها فقالت إنه يجب علينا حضور الألعاب النارية فهذا جيد لنا ، ذهبنا معها و جلسنا بقربها و سألتها هل هناك الكثير من الوقت حتى يبدأ العرض
فقالت : هي خمس دقائق فقط
خمس دقائق  انتظرت كثيرا على أبواب الذاكرة و لكن ما من مجيب حتى فتح الباب علي بأوسع فتحاته
عند أول صوت منبثق من السماء فبدأت ارتعد في آخر يوم لي في مدينتي قبل خروجي منها بصور أبناء عمومتي و أصدقائي و جيراني و من تعرفت عليهم كانت صورهم تحاصرني و تتلو في وجهي :
” عيدي لحن مجروح ”
كانت صورهم جميلة و كأنهم لم يقتلوا أبدا ، كانت الألوان في السماء
تتشظى دون السقوط على غير ما ندرك .
حاصرتني الأصوات و الأضواء فحشرج صوتي و غلقت عيناي و علقت نفسي بحبل من الآلام يشنق واقعي و يعيدني إلى أيام خلت
فكانت الصور تنزل من عيني دميعات مالحة كسبخات الفرات
كلها صورهم تلك التي تعذبني و تعذب ذويهم و تعذب الإنسان بكل انتماءاته
كانت هي من تقهرني و أخرجتني دون أن انبس ببنت شفة .. نعم خمس دقائق انتظار و خمس دقائق بكاء قبل و بعد
عمر مشعان

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “خمس دقائق ، قبل و بعد”

  1. جميلة جدا. وعميقه جدا. . نحن من ينبت الألم فينا لكنه يزهر ابداع .. بوركت

اترك رداً